قبـلــة الحيــاة لعمليــة الســلام

عاطف الغمري –
كان تصريح السفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان عن الضفة الغربية، يمثل خروجًا صارخًا عن مهام وظيفته كسفير لدولته في دولة أخرى، ليس من حقه أو من طبيعة عمله أن يتخذ مواقف تتطابق كلية مع سياسات تلك الدولة، في نزاع ما زال قائما مع شعب آخر.

السفير فريدمان قال: «من حق إسرائيل تملك بعض أجزاء من أراضي الضفة الغربية»، التي يعرف أنها احتلتها عن طريق الحرب، وأن الأمم المتحدة، والغالبية العظمى من دول العالم تعتبرها دولة احتلال، ليس من حقها الاستيلاء على الأراضي التي احتلت عام 67 ومنها الضفة الغربية.
وكلام فريدمان يعود بالذاكرة إلى تصريح مشابه لهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأسبق، حين قال في عام 1972، متحدثا عن طلب انسحاب إسرائيل من سيناء: «إن على المهزوم أن يدفع ثمن هزيمته»، بمعنى أحقية إسرائيل في الاحتفاظ بأراضٍ من سيناء، وكانت مناسبة كلام كيسنجر، حين التقى به حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي للرئيس السادات مرتين، إحداهما في نيويورك، والثانية في باريس، يقترح فيهما تدخل الدبلوماسية الأمريكية، من أجل انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في سيناء.
والذي حدث بعدها أن المهزوم لا يمكن أن يبقى تحت هذا التصنيف طالما أن أراضيه يدنسها الاحتلال، وما دامت الإرادة الوطنية لا بد أن تغير الأوضاع، وتفرض على الجانب المحتل الانصياع للإرادة الوطنية، وهو ما حدث في حرب 73، ويومها عدل كيسنجر عن مقولته السابقة، واعترف بحق مصر في استعادة أراضيها المحتلة.
أي أن التاريخ ليس في حالة سكون أو ثبات، والتاريخ شاهد على أن جميع الأراضي التي احتلت في العالم الثالث، استطاعت أن تعدل الميزان بينها وبين الطرف المحتل، وأن تستعيد سيادتها على أراضيها، وتلفظ الوجود الأجنبي الذي لا حق له في البقاء فيها.
لكن مشكلة فريدمان أنه يخلط بين صفتين له، لا يمكن أن يلتقيا في شخص واحد، فهو سفير لدولته في إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه يبدو أنه يمثل إسرائيل بأكثر مما هو ممثل لدولته، فهو من العناصر الأمريكية الداعمة للاستيطان في الأراضي الفلسطينية، والذي يسهم فيها بجهد نشط، وبإسهام في التمويل.
والسؤال: هل يفترض السفير الأمريكي أن عملية السلام قد ماتت، ولا أمل فيها؟ لأنه لو كان مقتنعا بأنها لا تزال على قيد الحياة، لما أدلى بمثل هذا التصريح الذي يبدو منه عدم إيمانه بالسلام، أو عدم توقعه له.
وهذا التعبير كان قد صدر عن مفكرين يهود في الولايات المتحدة، قالوا: «إن عملية السلام قد ماتت».
وهو المفهوم نفسه الذي نسب إلى كوروزي رئيس تحرير مجلة كومنتري التي تعبر عن الرأي العام اليهودي الأمريكي، وقد طرح كوروزي للمناقشة الحالة الراهنة لعملية السلام في كتابه: (تشريح عملية السلام)، جمع فيه آراء لثلاثة عشر سياسيًّا ومفكرًا من الإسرائيليين واليهود الأمريكيين، منهم ديفيد بار ايلان، ودوجلاس فايث، ودور جولد، ودانييل بايبس، وهيليل هالكين، وغيرهم.
والملاحظ أن الإسرائيليين منهم معروفون بأنهم من أشد أنصار نتانياهو، أما اليهود الأمريكيون، فهم من أقطاب حركة المحافظين الجدد، التي تحمل فكرا معاديا لأي سلام، يعيد للفلسطينيين حقوقهم، أو يتيح لهم إقامة دولتهم، وهم كذلك من مؤيدي استيلاء إسرائيل على أراضي بالضفة الغربية.
وحتى لو لم يجرؤ أحدهم بالإعلان صراحة، وعلنا بأن عملية السلام قد ماتت، إلا أن محتوى تفكيرهم، وعقيدتهم، تقود إلى هذا المعنى، وإن ظلوا يرددون أمام الآخرين أن هناك أملًا في عملية السلام، لكن: أي سلام يقصدون؟!
إن ديفيد فريدمان ينتمي إلى هذه المجموعة عقيدة، وفكرًا، ونشاطا، ويؤكد هذا المعنى اختياره سفيرا في إسرائيل، في تيار اتخاذ إجراءات، وكأن القصد منها قتل عملية السلام، بدءًا من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبالجولان جزءا منها، وبما أعلنه نتانياهو عن خطته لضم الضفة الغربية أو أجزاء منها لإسرائيل، ثم يأتي ديفيد فريدمان ليضع خاتمة على هذه الخطة التي لا يمكن أن تقود إلى سلام؛ حتى لتبدو عملية السلام وكأنها في انتظار قبلة الحياة.