الاقتصاد العماني مهيأ لجذب الاستثمارات العالمية

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

لم يكن مستغربا أن تعلن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (ضمان) بالكويت مؤخرا من أن السلطنة حلّت في مقدمة الدول العربية المستقبلة لمشروعات الاستثمار الأجنبي لعام 2018 وبقيمة 19.6 مليار دولار، مشكلة ما نسبته 23% من إجمالي الاستثمار. فهذا التحول الإيجابي يأتي بعد أربعة عقود من الزمن في أعقاب قيام الحكومة بتأسيس مناطق اقتصادية حرة، ومدن صناعية ودخولها في تأسيس مشاريع لوجستية وخدمية كبيرة يمكن للمؤسسات والشركات العالمية الاعتماد عليها في توطين صناعاتها وخدماتها في السلطنة.
ومع أنه كان هناك نقد واضح للبيروقراطية التي تمارسها بعض المؤسسات الحكومية في السلطنة إلى وقت قريب، إلا أن السياسات التي تم تنفيذها من خلال وحدة التنفيذ والمتابعة مؤخرا كان لها بصمات إيجابية على حلحلة الكثير من القضايا الاستثمارية التي بقيت معلقة لسنوات، في الوقت الذي أبدت فيه المؤسسات الحكومية تجاوباً كبيرا وفهماً للنتائج السلبية التي يمكن أن يترتب عليها التأخير في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
ومن هنا جاءت المراسيم السلطانية السامية مؤخرا لتتضمن حزمة من أهم القوانين والتعديلات التشريعية التي من المؤكد أنها ستفتح آفاقا جديدة لتحقيق الرؤية الاقتصادية (عمان 2040) بدون عقبات من جهة، وتفتح أمام المستثمرين ورجال الأعمال فرصا للتمويل المبتكر لمشاريع التنمية التي سيتم تأسيسها في البلاد من جهة أخرى.
وهذه الاستثمارات المحلية والأجنبية ستعمل على رفع تنافسية السلطنة في كل المجالات. ففي العام الماضي تابعت وحدة التنفيذ والدعم وبالتعاون مع الجهات القطاعية من المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص وأصحاب الأعمال أكثر من 120 مبادرة ومشروعا ضمن خطة الحكومة لتعزيز التنويع الاقتصادي، والمشاريع الاستراتيجية الكبرى التي يتم تأسيسها لتحقيق هذه الرؤية مستقبلا، وتوفير الدعم والمساندة للجهات المختلفة في هذا الشأن، الأمر الذي يعمل على تطوير هذه المشاريع والمبادرات للإسهام في بناء اقتصاد مستقر ومستدام. وهذه السياسات ستساهم – بلا شك- في رفع الدخل الوطني العماني، وإيجاد بيئة الأعمال التجارية والمالية السليمة للمشاريع الاستراتيجية.
لقد تضمنت المراسيم الأخيرة عدة قوانين منها قانون استثمار رأس المال الأجنبي الجديد الذي ظل السابق يعمل به منذ عام 1994، حيث من المتوقع أن يفتح هذا القانون بجانب قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وقانون التخصيص ونظام إنشاء الهيئة العامة للتخصيص والشراكة، وقانون الإفلاس آفاقا جديدة للاستثمار في السلطنة، والتي تعمل جميعها في إيجاد مخارج للشركات التي تعرضت للصعوبات لأسباب خارجة عن إرادتها.
فالاستثمار المحلي والأجنبي يحتاج إلى مزيد من التسهيل والمرونة في الاجراءات والقرار المناسب، في الوقت الذي تعمل فيه السلطنة على تعزيز الاستثمارات المشتركة بين القطاعين العام والخاص. كما أن هذه المراسيم ستعزز من أعمال المؤسسات نتيجة للتحسينات التي أدخلت على القوانين الجديدة، وعلى بيئة الاستثمار في السلطنة في هذه المرحلة المهمة والعقود المقبلة للرؤية المستقبلية عمان 2040.
فهذه المراسيم تأتي في إطار التعاون والتكامل الاقتصادي بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وأهميتها لتحقيق الرؤية 2040 بشكل سلس ودون التعقيدات والصعوبات، حيث سبق ذلك مناقشة أهدافها وآلياتها لوضع تصور شامل ومأمول للاقتصاد العُماني لوضعه على خارطة الاقتصاد العالمي على مدار العقدين المقبلين وما بعدهما.
المرحلة المقبلة تتطلب الاعتماد على الكفاءات العمانية والبعد عن المحاباة، بجانب العمل على الاستفادة من التجارب الناجحة للدول التي سبقتنا في جذب الاستثمارات الخارجية، وتبنيها للمشاريع المهمة للاقتصاد العماني، وضرورة العمل على تجنب الأخطاء والابتعاد عن ممارسة الفساد الذي تعاني منه الكثير من الدول النامية، والقضاء عليه بجميع الوسائل المتاحة. فمع وجود القوانين الجديدة في مجال التجارة والاستثمار فإنها ستعمل – بلا شك- على رفع تصنيف السلطنة في المؤشرات العالمية الخاصة، وستزيد من عمليات التخصيص والشراكة التي أصبحت اليوم مطلبا اقتصاديا وأولوية لتحقيق الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني ورفع عجلة التنمية في البلاد.
فالأولوية التي يحظى بها القطاع الخاص من قبل الحكومة سوف تساهم في تأسيس مشاريع حيوية في المستقبل، وتفسح المجال لهذا القطاع في تحريك قوى السوق والمنافسة وتحسين الكفاءة التشغيلية للمشاريع، مع توفير فرص عمل جديدة في البلاد، الأمر الذي يتطلب توفير الاحتياجات التمويلية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية وجذب مزيد من الخبرات الفنية والإدارية والتكنولوجية المتطورة خلال العقود المقبلة.
إن القوانين الصادرة بالمراسيم السلطانية السامية تأتي في إطار تسعى فيه الحكومة من خلالها الى مواكبة المتغيرات، وتهيئة البيئة الاستثمارية في السلطنة، بجانب تسهيل الإجراءات للاستثمارات المحلية والأجنبية، الأمر الذي يتطلب معه أيضا تطوير المنظومة التشريعية للاستثمار وتحسين بيئة الأعمال، وخاصة المنظومة التشريعية لقوانين الاعمال المرتبطة بالتقنيات الحديثة لما لها من أثر إيجابي في تسهيل ممارسة الأعمال التجارية في السلطنة، وتحفيز وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد خلال السنوات المقبلة، وتعزيز التنافسية للقطاعات الاقتصادية الواعدة. كما أن المرحلة المقبلة تتطلب العمل على استغلال الفوائض والقدرات المالية للبلاد، وبناء قطاعات استثمارية وتنموية واعدة في السلطنة سواء من قبل الصناديق السيادية أو المؤسسات التمويلية المتواجدة في البلاد سواء في قطاعات الطاقة أو في مجال الغذاء والأمن الغذائي أو في التقنيات الحديثة، وفي البرامج والابتكارات وتحقيق التكامل المنشود فيما بينها.
إن مرتكزات الرؤية (عمان 2040م) كثيرة ومتعددة. فالبنية الأساسية التي تملكها السلطنة بجانب قدرتها وعلاقاتها الدولية، وموقعها الاستراتيجي المتميز، بجانب تاريخها وقدرة أبنائها على التواصل مع المؤسسات العالمية وجاهزيتها في تقديم الخدمات اللوجستية من خلال المشاريع التي بنتها في قطاع النقل البحري والجوي والبري ستعمل جميعها على تعزيز حركة الاستثمارات وتحفيزها خلال المرحلة المقبلة الأمر الذي يسهل من تحقيق النجاح فور بدء العمل بهذه الرؤية. فالسلطنة تعتبر من أوائل الدول التي قامت بإعداد الرؤى الاقتصادية المستقبلية لها -إن لم تكن الأولى- بين دول المنطقة الخليجية عندما أعلنت عن رؤيتها الاقتصادية (عمان 2020) في عام 1995 حيث تنتهي هذه الرؤية خلال العام المقبل. وتستهدف هذه الرؤى إعداد خطط جديدة للاستفادة من التطورات الاقتصادية لتستفيد منها جميع شرائح المجتمع العماني، مع التركيز على المورد الأهم وهو العنصر البشري الذي يمثّل المورد الرئيسي في تخطيط أي مشروع تنموي.
وعلينا أن ندرك بأن الخطط المستقبلية في اي اقتصاد هدفها تحسين مستوى المعيشة والرفاه وتحقيق العدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى تنمية القطاعات وتنويع قاعدة الإنتاج الاقتصادي، وإيجاد مصادر دخل جديدة الى جانب الموارد المالية التي تحصل عليها الدول، الأمر الذي يتطلب توحيد الجهود والانسجام بين جميع المؤسسات، الحكومية والقطاع الخاص الذي سوف يظل محورًا رئيسيًا في أي تخطيط مستقبلي في ظل الظروف والتحولات والمتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم حاليا.