صياغة الخرائط الاستراتيجية من واقع التجربة والمأمول

عماد البليك –
على أعتاب عقد جديد من مسيرة الدولة العُمانية الحديثة فإن العديد من الأسئلة تطرح نفسها بقوة، عن ماهية الأسس الصلبة أو الراسخة، التي يستند عليها المشروع العُماني في التنمية والنماء الشامل، الذي بدأ منذ عام 1970 ساعة وعد جلالة السلطان قابوس المعظم – حفظه الله ورعاه – بإنشاء دولة تقوم على قيم العدالة والإخاء وتوظف صياغ الزمن الذي تتحرك فيه مستخدمًا صفة «العصر» أو الدولة «العصرية».

في تلك اللحظة التاريخية كان الطريق يبدو صعبًا ولكن كان ثمة أمل مفتوح باتجاه المستقبل استطاع أن يجتاز التحديات ويوظف الإمكانيات المتاحة للزمان والمكان في سبيل صياغة الغد المشرق، وقد كان لعُمان أن تنهض في زمن وجيز قياسًا لأزمنة النهوض، وكان ذلك عبر عدد من مراحل البناء، من تقوية وبناء اللحمة الوطنية إلى دولة المؤسسات مرورًا بتشييد البنى الأساسية التي ربطت السلطنة وجعلتها جسدًا واحدًا تنظمه شبكة من المقومات الحديثة من طرق ومطارات وموانئ وغيرها من معينات التحديث.
اعتمدت السلطنة في موردها الاقتصادي المركزي طوال العقود الماضية على النفط بوصفه رأس الرمح في ضخ المال، لكن في مقابل ذلك كان ثمة العديد من الأسئلة بخصوص التنويع الاقتصادي والرغبة في إيجاد موارد دخل أخرى تكون بمثابة المورد المستقبلي في حال تعرض النفط لأي تهديدات أو أصبحت الطاقة التقليدية في ظلال التاريخ مع استبدالها بموارد جديدة كالشمس والرياح وغيرها من التقنيات الأكثر حداثة.
ومع حلول الفترة الأخيرة التي بدأت منذ عام 2014 أو بنهاية تلك السنة وبداية عام 2015 كان النفط يدخل في سؤال حرج في كل العالم تقريبًا، إذ بدأت الأسعار في التدني بشكل ملحوظ الأمر الذي انعكس على كثير من الاقتصاديات للدول المصدرة للنفط أو التي تعتمد عليه كمورد أساسي.
وقد كانت السلطنة ليس بمعزل عن ذلك التأثر في إطار ارتباط اقتصادها بهذا المورد، واستطاعت الدولة أن تعمل على إيجاد حلول بديلة وإسعافية تعلقت في المقام الأول بسياسة الموارد المالية والترشيد وغيرها من الخطط في هذا المنوال، فيما بقي السؤال الأهم حول المدى المستقبلي الأبعد من اللحظة الراهنة، كيف بالإمكان الاتجاه إلى خطط جديدة ومستقبلية وذات ديمومة واستدامة عبر «الزمكان».
من هنا فإن التفكير في الرؤية المستقبلية «عُمان 2040» جاء ليواجه بالعديد من المتطلبات التي تتحاور مع أسئلة ملحة تتطلب الإجابة الفورية، عن الأسس الصلبة، وهنا برز الإنسان بوصفه الحل دائمًا لكل سؤال، حيث أن العقل أو الخيال هو الذي يصنع المستقبل والحياة المنشودة، فمهما كان حجم الموارد فإنه في المقابل إذا كان ثمة خلل في البنى الذهنية فإن الأمر لن يمضي في النصاب الصحيح، فثمة دول في العالم تمتعت بموارد جيدة وفشلت بسوء الإدارة المالية والأمثلة لا حصر لها، لقد رأينا كيف أن فنزويلا مصدر النفط القوي انحدر إلى ما يشبه الهاوية، وليس الموضوع هنا يتعلق بالمشكلة والأزمة المتعلقة بالأسعار في السوق العالمية، بل الإدارة الرشيدة، إذ سيكون السؤال عن أين الاحتياطات والميزانيات الرديفة وغيرها من الاستفهامات في هذا المسار، بل أين هي بدائل المستقبل التي من المفترض أنها مطروحة للحل المستدام؟!
دائما ما يقابل سؤال التنمية في أي دولة بالعديد من التحديات، لكن إذا ما توفرت الرؤية والاستراتيجية العميقة كان بالإمكان المضي إلى المستقبل بهدوء وسلام، وفي السلطنة فقد كان جلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه – حريص أشد الحرص منذ السبعينيات أن تكون ثمة تكيفات مع المراحل دون القفز على الزمن مع مراعاة أن كل مرحلة جديدة تفرض ظروفها المعينة التي يجب الأخذ بها، وهي سياسة التدرج والتكيف والأخذ بمعطيات الحياة والظروف وفق الإمكانيات مع التسلح بالإرادة والعمل والأمل، كما أن السياسة السامية لجلالته تؤمن بالنقد والمراجعات المستمرة من أجل البناء والمضي في الطريق إلى المستقبل، وهذا طابع الحياة الإنسانية أنها لا تقف عند حيز معين أو فكرة بعينها.
هذا الأساس الصلب من الفكر السامي الذي ربما إلى اليوم لم يأخذ حظه من التحليل الكافي والعميق، يجعل ثمة مرتكزات قوية للمستقبل يمكن للعمانيين الاستناد عليها في صياغة الخرائط الاستراتيجية في أي قطاع كان، فعلى سبيل المثال فإن المشاركة المجتمعية التي اتبعت في رسم الاستراتيجية المستقبلية لعمان 2040 جاءت وهي تستلهم ما كانت تقوم به الجولات السامية لجلالة السلطان التي أخذت طابع هذه المشاركة، بحيث إن المجتمع أو الشعب شريك في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، وهذا هي سمة من سمات عديدة وكثيرة لا حصرها لها يمكن الاستشهاد بها في كيفية توفير الضمانات لفكر مستقبلي تنموي.
وهذا يعني أن الحديث عن الرؤية المستقبلية لا يعني مجرد برامج وخطط بل هو منظور أعمق من ذلك في أنه ثمة مشاريع فكرية ورؤى فلسفية تأسست عبر مخزون الزمن المتراكم، وهذه الأفكار تبلورت في شكل مناهج وقيم ومفاهيم وغيرها من المعاني في هذا الإطار التي تجعل الرائي أو القارئ أو المراقب أو المخطط الخ.. يقترب من تحويل البيان إلى عمل.
الآن فإن المرحلة المقبلة تدخل فيها مزيج من الأفكار التي تأخذ من الكلاسيكيات وتتقاطع في الآن ذاته مع المستجدات العصرية والحديثة، ما بين الاقتصاد التقليدي الممثل في النفط مثلا أو الثروة السمكية على سبيل المثال وحتى السياحة، والاقتصاديات الجديدة أو الحديثة التي تقوم على الابتكار والذكاء الاصطناعي وتوظيف ثورة المعرفة والعلم وما يعرف بالثورة الصناعية الرابعة وما يدور في هذا الفلك، وجملة ذلك يعني بشكل أو بآخر أن التمازج مطلوب بين المكتسبات والمنتظر في حيز التوقعات والرؤيا، حيث أن الأخيرة تهتم بمتشكلات مستقبلية لم تدخل حيز التجريب بخلاف الرؤية التي تأخذ من إمكانية الواقع العملي وتراه في التجريب القريب أو القصير المدى.
فالحديث الآن عن الاستثمار والتحفيز في هذا المجال الحيوي والمستقبلي، لابد أن يستلهم من هذه الأطر جميعها ويقترب من الإلحاح نحو الأسئلة المفصلية والجوهرية التي تراكمت عبر الزمن، أين نحن وإلى أين نريد أن نذهب؟
هذا الوجهة «المستقبلية» أو البوصلة هي التي تضيء عبر تحويل القوانين الجديدة والبرامج والرؤى إلى أفكار عاصفة وقوية باتجاه التقاطع مع الفكر الإنساني الجديد، لاسيما المعرفة مع استيعاب وإعادة التفكير بشكل جديد في معطيات كالتاريخ وجوهر المكان ومغزاه في البعد الراهن، أو ما يعرف بالإطار الجيوسياسي، وغيرها من المتشكلات سواء الملموسة أو الذهنية في هذا الباب، ما يفتح الأمل باتجاه فكر جديد وقاد، يستطيع أن يعبد الطريق نحو أفق مرتجى بل ربما يحمل أكثر من التوقعات المحدودة في حيز الزمان، ففي كثير من الأحيان قد يكون لنا أن نفاجأ بالنتائج لكن علينا أولًا أن نحمل الاستعداد الخالص وقوة الإرادة والعمل والتفكير الناقد والقوي باتجاه تفكيك الذات ونقدها ومراجعة المكتسبات.