بين المحاور الأساسية والمؤشرات الكمية

د. صلاح أبونار –

منذ صدور الأمر السامي في 2 ديسمبر 2013 بالبدء في إعداد رؤية 2040 مرت عملية الإعداد بمراحل مختلفة. سعت تلك العملية إلى إنجاز الرؤية عبر ثلاثة مسارات. مسار بناء المؤسسات المركزية والشبكات الاتصالية الأهلية المنظمة للعمل، ومسار تشكيل عناصر الرؤية كطرح أولي ثم كمادة لنقاش ضيق بين المتخصصين يمر بمراحل مختلفة من استقراء الواقع مرورا بتحديد الأولويات وانتهاء بتحويل الأهداف إلى مؤشرات كمية ومقارنة.

وانتهاء بمسار تنظيم حوار اجتماعي واسع داخل فئات المجتمع العماني حول الرؤية، يسعى إلى ترشيد واستكمال الطرح التقني عبر المشاركة الاجتماعية، وبناء أوسع وأعمق إجماع وطني حول الوثيقة الأولية للرؤية.
ولدت الرؤية من رحم عدة متغيرات تاريخية تشكلت وتصاعدت على مدى العقود الثلاث الأخيرة.
من جهة أولى: منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي ومع التدهور في أسعار النفط ومحدودية الاحتياطي العماني، تصاعد الوعي بمشاكل مركزية النفط وعوائده في الاقتصاد العماني. وهكذا أطلقت الدولة رؤية عمان 2020 مع إطلاقها للخطة التنموية الخامسة في 1996، ومعها أطلقت سياسات الخصخصة والتعمين والتنويع الاقتصادي وتقليص دور الدولة الاقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وفي المقابل أخذ القطاع الرأسمالي العماني الخاص في الصعود. صعد مستفيدا من سياسات الدولة السابقة. ثم صعد منطلقا من اتساع القاعدة الاجتماعية للفئات الوسطي العمانية، وموظفا للتراكم الذي حققه في مجالي التجارة والخدمات، ومقتحما لآفاق جديدة في المقاولات والصناعات التحويلية والحديثة. وأخيرا صعد في مناخ عالمي مواتي وداعم، بعد انهيار دول المعسكر الشرقي والتراجع العام لدولة الرفاهية في غرب اوروبا، وصعود الليبرالية الجديدة.
ومن جهة ثانية: قادت سياسات التنمية الانسانية التي اتبعتها عمان إلى تغيرات عميقة في المجتمع العماني. اتساع واسع في قاعدة التحضر، ونمو متصل في مجالي التعليم والصحة، وظهور فئات اجتماعية وسطى عريضة وشابة ومتعلمة وحضرية. فئات تشعر بولاء عميق للدولة التي ولدت من رحم سياساتها ومؤسساتها، لكنها ايضا ترغب في أداء دور اجتماعي ومؤسسي عام أكثر اتساعا وتعبيرا عن إمكانياتها وحيويتها الوليدة.
ومن جهة ثالثة: شهد العالم الاقتصادي تحولات جذرية مع العولمة والثورة التكنولوجية، غيرت إلى حد كبير من مواصفات العمليات الإنتاجية، فجعلتها قابلة للتجزئة والشراكة على امتداد العالم ويشارك فيها ما أضحى يعرف بسلاسل القيمة المضافة، وتلعب فيها المعرفة ومعها الابتكار الدور المركزي، وتتميز بدرجة عالية من التدفقات العابرة للقارات تفرض معها انفتاح الأسواق الوطنية.
ويمكننا ان نكتشف المتغيرات الثلاث السابقة في قلب مكونات المحاور الثلاثة الأساسية لرؤية عمان 2040، أي: محور الانسان والمجتمع، ومحور الاقتصاد والتنمية، ومحور الحوكمة والأداء المؤسسي، وكل محور يتكون من عدة ركائز تشكل أساس تحديد الأولويات المنبثقة منه.
يتكون محور الانسان والمجتمع من ثلاث ركائز: تعزيز الرفاه الاجتماعي، والمحافظة على الهوية العمانية والتراث العماني، وتطوير الكفاءات والقدرات الوطنية.
ويتكون محور الاقتصاد والتنمية من أربع ركائز: تحقيق الثروة من خلال اقتصاد متنوع وتمكين القطاع الخاص، وتحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات، والمحافظة على استدامة البيئة، وإنشاء بنية أساسية حديثة ونظام عمراني متكامل.
ويتكون محور الحوكمة والأداء المؤسسي من ركيزة تحسين فعالية الحوكمة والأداء المؤسسي وسيادة القانون.
ومن السهل عندما نقارن تلك المحاور ومرتكزاتها بالمتغيرات التي أوردناها والسياسات التي عبرت عنها أن نلاحظ أنها تشكل امتداداً عضويا لها، ولكن من السهل ايضا أن نرصد انها تشكل تخطيا كيفيا عميقا لها. ويبدو هذا التخطي اولا في المستوى الكيفي المنشود لإنجاز الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، والذي تظهر أبعاده بوضوح عندما تبدأ الرؤية في ترجمة المستهدفات الى قيم رقمية عبر الإحالة إلى المقاييس العالمية. ثم يبدو هذا التخطي ثانيا في البروز الاستثنائي لعنصر الهوية العمانية والتراث العماني في مرتكزات المحور الاول، ثم في المحور الثالث كله وهو محور سياسي مخصص للحوكمة اي المشاركة الاجتماعية والسياسية وتنمية مؤسسية الدولة وسيادة القانون. هذان البعدان الثقافي والسياسي كان لهما حضورهما في الخطط والسياسات السابقة والخطاب العام المعبر عنهم، ولكن ليس على هذه الدرجة من البروز والتمايز الكيفي.
تقوم الرؤية بتحويل مرتكزات المحاور الثلاث إلى أولويات استراتيجية، ثم تحول الأولويات إلى أهداف محددة ينبغي إنجازها وفقا لمعايير إنجاز محددة ومقارنة. وفي تحديدها لمعايير الإنجاز تستخدم الرؤية مقاييس عالمية متفق عليها، مثل مقياس التنافسية العالمية ومؤشر الابتكار العالمي ومؤشر التنمية الاجتماعية ومؤشر الأداء البيئي وغير ذلك كثير. ويعقب ذلك تحديد موقع عمان الراهن من هذا المؤشر، من منظور القيمة الرقمية للأداء والترتيب العالمي المترتب عليها. ويقود هذا إلى تحديد الهدف الذي تسعى الرؤية الى تحقيقه، لكنها لا تحدده رقميا بل بشكل عام على مستويين متتابعين، الترتيب العالمي المستهدف في عام 2030 والآخر المستهدف عام 2040، من منظور واسع مثل ضمن أكبر 30 أو20 دولة مثلا. ومن الواضح هنا اننا أمام نظام معايير عام ومقارن، سيجري فيما بعد تحويله إلى أرقام محددة ومتتابعة في سياق تتابع الخطط الخمسية للرؤية والتي ستبدأ بالتاسعة 2021 – 2025.
ويمكننا ان نجعل التحليل السابق أوضح عبر ضرب عدة نماذج، مأخوذة من أولويات كل محور من المحاور الثلاثة. فيما يتعلق بهدف التعليم والبحث العلمي والابتكار. وفقا لمؤشر الابتكار العالمي تبلغ قيمة الوضع العماني 2,8 من مائة، وتحتل المركز 69 من 127 دولة، والهدف دفع عمان إلى مصاف أكبر 40 دولة عام 2030، ثم أفضل 20 عام 2040. ووفقا لمؤشر تنمية التعليم للجميع تبلغ قيمة الوضع العماني0,938 من واحد، وتحتل المركز51 من 91 دولة، والهدف دفع عمان إلى صفوف أكبر 20 دولة عام 2030، ثم أكبر 10 عام 2040. ووفقا لركيزة المهارات في مؤشر التنافسية العالمية تبلغ قيمة الوضع العماني71,6 من مائة، وتشغل عمان المرتبة 36 من 140 دولة، والهدف دفع عمان الى صفوف اكبر 20 دولة عام 2030، واكبر 10 عام 2040. ووفقا لمؤشر تنافسية المواهب العالمية، تبلغ قيمة الوضع العماني 43,93 من مائة، وتحتل عمان الموقع 56 من 119 دولة، والهدف الى الوصول الى مصاف أكبر 30 دولة عام 2030، ثم أكبر 20 عام 2040. وفيما يتعلق بهدف بهدف الرفاه الاجتماعي، تبلغ قيمة الوضع العماني وفقا لمؤشر التنمية الانسانية 0,821 من عشرة، وتحتل الموقع 48 من 189 دولة، والهدف دفع الى مصاف أكبر 30 دولة عام 2030، ثم أكبر 20 في عام 2040.
وفيما يتعلق بمحور الاقتصاد والتنمية، سنجد الرؤية تورد أكثر من مؤشر لمرتكز الاقتصاد المتنوع القائم على المعرفة. وفقا لمؤشر التطور الاقتصادي تحتل عمان المرتبة 62 من 126 دولة، والهدف دفعها إلى صفوف أكبر 20 دولة في 2030، ثم أكبر 10 في 2040. ووفقا لمؤشر جاهزية الشبكات تشغل عمان المرتبة 52 من 139 دولة، والهدف دفعها إلى صفوف أكبر20 عام 2030، ثم أكبر 5 عام 2040. ووفقا لمؤشرات التنويع الاقتصادي. تبلغ مساهمة القطاع غير النفطي الآن 61% من الناتج المحلي الإجمالي، والهدف رفعها إلى 93% عام 2040. ووفقا لمؤشر سهولة الفعل التجاري تحتل عمان المرتبة 78 من 190 دولة، والهدف دفعها إلى صفوف أكبر10 دولة عام 2040. وفيما يتعلق بمؤشرات محور الحوكمة، تشغل عمان المرتبة68 من 178 دولة في مؤشر مدركات الفساد، والهدف دفعها إلى افضل 20 دولة عام 2040. وتشغل المرتبة 110 من 190 في مؤشر جودة عملية التقاضي، والهدف دفعها إلى افضل 10 دول في 2040.
تخبرنا تلك الأمثلة المحدودة من المؤشرات المتاحة في الرؤية، إننا أمام رؤية شديدة الطموح تسعي لنقل عمان نقلة تاريخية جذرية. وتواجه هذه الرؤية الطموحة بالضرورة تحديات جذرية، تتعلق أساسا بمستوي توافر الموارد المادية الداعمة والقابلة للتوظيف، وقدرتها على مواصلة تطور متصاعد على مدى عقدين من الزمان. ولكن الحقائق تخبرنا أيضا ان عمان تمتلك من المقومات والموارد ما يمكنها من مواجهة هذا النقص. تمتلك سواحل ممتدة تشغل موقع استراتيجي يطل على أحد اهم طرق التجارة العالمية، كان دوما أحد منطلقات بناء القوة العمانية عبر تاريخها. وتمتلك فئات اجتماعية وسطى عريضة ومتقدمة، يدفعها طموح تاريخي تسنده إمكانيات كيفية عالية وقادرة على التطور. وتمتلك إحساس بخصوصية الذاتية التاريخية والوزن التاريخي، المستمد من تاريخها الحضاري الطويل والعالمي، بما يشكله من قوة دفع هائلة. كما إن الرؤية ذاتها امتلكت عدة عناصر شديدة الأهمية. إجماع شعبي تولد من سياق آلية الحوار الاجتماعي العام التي استخدمت في تكوينها، ووعي نقدي بتحديات الخطة نجده في حرص الرؤية المتصل على إبراز تحديات التمويل والبناء المؤسسي والكفاءة القانونية وتكوين الكوادر القيادية، وفهم صائب لتحديات النمو المعاصرة التي تفرضها الثورة المعرفية ويتجسد بوضوح في الدور المركزي لمفهومي المعرفة والابتكار على امتداد الخطة. غير أن الرؤية تمتلك ما هو أهم من هذا كله: القيادة الملهمة والرشيدة لصاحب الجلالة – حفظه الله ورعاه-.