اختيار التخصص الدراسي: دوافع وعوامل مؤثرة وتحديات

رحمة بنت خميس البلوشية –
عندما نتحدث عن المسار المهني المستقبلي أو اختيار التخصص الدراسي الجامعي فإننا نستحضر هنا عملية اتخاذ القرار كمهارة من المهارات العقلية التي تبنى عليها مجموعة من العوامل والعمليات العقلية، فمهارة اتخاذ القرار قائمة على خلفية وأساس قوي من المعلومات والخبرات على مستوى كل القرارات التي يتخذها الفرد في حياته، ومن الصعوبات والتحديات التي يواجهها الفرد في اتخاذ قراراته افتقاره إلى المعلومات والمعارف والخبرات الأساسية التي ستكون له في مراحل حياته كلها موجها ومرشدا ومفتاحا لقرارات سليمة، كما أن اتخاذ القرار قد يعتبر في بعض الأحيان مجالا فرعيا من مجالات حل المشكلة لأنه يتعامل مع بدائل وخيارات وتقييم وحل أنسب للمشكلة التي يواجهها الفرد.

مصادر المعلومات
وأما مصادر المعلومات التي توجه عملية اتخاذ القرار فقد كانت الأسرة على مدار الأزمنة المختلفة هي المصدر الأولي لها وربما بسبب قلة المصادر والمعلومات التي تمتلكها الأسرة فقد كانت قرارات الفرد حول مسألة مثل الاختيار المهني مترددة ومشوشة وغير مستقرة في بعض الأحيان، أما وقد فتحت التكنولوجيا أبواب العالم على مصراعيها أمامنا وأصبحت المعلومات والمعارف كلها متاحة للجميع فقد قل التشتت والتردد نوعا ما حيث أصبحت المعلومات الخاصة بفرص التوظيف المهني إلى جانب الخدمات المهنية الملائمة والمناسبة لقدرات الفرد وإمكانياته ومعلومات سوق العمل التي يحتاجها.
عوامل مؤثرة
وبالإضافة إلى وفرة المعلومات وقلتها التي قد تؤثر في عملية اتخاذ القرار المهني فهناك عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في اختياره المهني وقراره الدراسي منها قدراته العقلية وهذه يمكن الكشف عنها بأدوات خاصة كالاختبارات والمقاييس، كما أن خصائص شخصية كل فرد قد تلائم مهنة معينة ولا تناسب مهن أخرى إذ تختلف بعض المهن عن بعضها فيما تتطلبه من خصائص وسمات شخصية، بالإضافة إلى الميول المهنية التي تميز الأفراد بأنماط من التفضيلات عن غيرهم ممن يعملون في مهن أخرى، وتكون هذه التفضيلات والميول غير ثابتة إلى مراحل لاحقة من مراحل النضج التي يصل إليها الإنسان كلما تقدم في العمر حيث تبدأ هذه التفضيلات وهذه الميول بالثبات والاستقرار، بالإضافة إلى عوامل كثيرة أخرى قد تؤثر بطريقة ما وبشكل مباشر وغير مباشر في خيارات وقدرات الفرد كمفهوم الذات والتأثيرات البيئية والفروق الجينية والعوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية الموجودة في بلده.
وتكمن أهمية الاختيار والقرار كونها قضية من القضايا الإنسانية التي تؤثر في حياة الإنسان وتحمل دلالات كثيرة لمستقبله وعلى مدى طويل من عمره، وهذه الآثار لها من الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية ليس عليه فقط بل حتى على محيط أسرته ومجتمعه بشكل عام.
القرار المهني عند المراهقين.
ويبدأ الإنسان التفكير جديا في الاختيار والقرار المهني في مرحلة المراهقة التي تعتبر مرحلة لتقييم الذات حول النمو المهني حيث يعيد المراهق في هذه المرحلة النظر في أهدافه الماضية في ضوء الإنجازات الراهنة، وقد أشارت الكثير من الدراسات أن الأشخاص الذين خططوا في مرحلة المراهقة لاختياراتهم المهنية بشكل جيد ودقيق ووضعوا لاختياراتهم ما يناسبها من ميول وقيم ومهارات وقدرات، كانوا هم الأفضل من غيرهم ممن لم يخططوا لذلك.
وقد تشوب مرحلة المراهقة قلقا وحيرة وخوفا وتوترا من المستقبل وهي حالة طبيعية يصاب بها المراهقون المقبلون على حياة العمل ويأتي هذا القلق بسبب التوقعات غير المرغوبة مستقبلا حيال القبول الجامعي والعمل والتوظيف، وهذا ما يدفع الفرد إلى إعادة النظر في الخطط والأهداف الموضوعة مسبقا ودراستها وتعديلها وتغييرها وفق المستجدات التي تطرأ في سوق العمل ووفق ما يناسب شخصية الفرد من وجهة نظره، وأما إن تحول هذا القلق من المستقبل إلى خوف وتوتر مبالغ فيه فهو سينطوي عليه نتائج عكسية على حياة ومستقبل هذا الفرد وسيكون بموجبها عاجزا عن التكيف مع الظروف والتحديات التي يواجهها، وربما في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تمر بها المنطقة والتي كانت من نتائجها ندرة الفرص الوظيفية وشحها قد زاد القلق والتوتر وساد التشاؤم بشأن المستقبل بشكل أكبر عن ما كان عليه سابقا وهنا يجب أن تأخد الأسرة بيد الطالب وتخفف عنه عبء هذا الخوف والتوتر.
وتعتبر خدمة التوجيه المهني التي تقدم في المدارس والتي تحوي جملة من البرامج والأنشطة أداة لمساعدة الطلبة لاتخاذ قراراتهم الدراسية المتعلقة بخياراتهم الدراسية وتخصصاتهم الجامعية وتبصيرهم بالفرض المهنية والوظيفية المتاحة لهم، فبالإضافة الى خبرات الطالب السابقة ومهاراته وبناه المعرفية المتراكمة تقدم خدمة التوجيه المهني له مفاتيح يمكن من خلالها أن يصل إلى قراره المهني السليم، ويمكن من خلال البرامج والأنشطة التي تقدم للطلبة أن يتصلوا بعالم المهن عن قرب ويمكن كذلك من خلال الرحلات والزيارات الميدانية لمواقع وأماكن العمل والتدرب في مؤسسات مختلفة كتجارب ونماذج مهنية أن يتعلموا ويتعرفوا على متطلبات ومهارات العمل قبل الانخراط في عالم المهن الحقيقي، كما تقوم برامج التوجيه المهني كذلك بتوصيف لبعض المهن والوظائف التي يتطلبها سوق العمل وتبصير الطلبة بالخطوات والأساسيات التي يحتاجونها للبحث عن الوظيفة المناسبة.
التسجيل في القبول الموحد
وأخيرا، فالطلبة على مشارف التسجيل في نظام القبول الموحد، وهم في هذه المرحلة الأخيرة من انتظار نتائج تحصيلهم الدراسي مؤهلون ومعدون بشكل كاف لاتخاذ قرارهم السليم بشأن تخصصاتهم الدراسية التي تناسبهم ضمن قوائم البرامج التي يطرحها نظام القبول الموحد وما يتعين عليهم في هذه المرحلة هو التفكير بهدوء وروية وفي ضوء المعطيات والمهارات والمعلومات التي يمتلكها الطالب عن ذاته وعن آلية التسجيل، وعليه أن يعرف العلاقة بين قدراته وتحصيله العلمي وبين قيمه وطموحاته وتفضيلاته المهنية ليختار لنفسه المناسب من بين التخصصات الكثيرة المطروحة أمامه، وهو إن أجاد استخدام توظيف كل الأدوات التي يمتلكها بالشكل الصحيح ستمر عليه هذه المرحلة الصعبة بالنسبة له بكل سهولة ويسر.

■ رئيسة قسم البحوث
بالمركز الوطني للتوجيه المهني