الإنسانية والاقتصاد الجديد

تسعى مختلف دول العالم إلى إبداع صياغات جديدة من الاقتصاديات القادرة على التقاطع مع العصر الحديث، مع تسارع هذا الحياة وتوليد العديد من الأفكار الجديدة، وتعدد مسارات التقنيات والذكاء الاصطناعي وتنوع المفاهيم من الابتكار إلى المعرفة الجديدة والحوكمة وغيرها من المصطلحات التي تقود إلى القول بأننا أمام مرحلة جديدة من التاريخ الإنساني في تشكيل الاقتصاد العالمي بشكل عام.
إذا كانت لكل دولة من دول العالم مشروعها المحدد في هذا الإطار، إلا أنه ثمة تكيف عام للدول في المضي نحو اقتصاديات ذات نوعية وربحية تختصر الوقت والمال، وفي الوقت نفسه تحقق الرفاهية والسعادة لبني البشرية، وإلا كانت مشروعات التنمية لا قيمة لها، لتصبح ليس إلا مجرد حراك صوري.
دائما ظل الإنسان وعبر التاريخ الطويل يعيد في كل مرحلة من المراحل التفكير في المكتسبات والمتحقق ويحاول عبر إعمال العقل الوصول إلى فضاءات جديدة من إبداع الأفكار التي تقوده إلى بناء صياغات جديدة للحياة، وخلال القرون الماضية عبرت الحضارة الحديثة من عصر الآلة والصناعات مع بدء الثورة الصناعية، إلى عهد التقنيات الأكثر دقة وحوكمة، واليوم نحن في عصر جديد يتميز بالعديد من المناحي التي يجب أن توضع في الاعتبار من تعدد المعارف والتنويعات في هذا الباب، إلى الضخ الكبير للمعلومات والبيانات وكذلك الدور الذي باتت الآلة والذكاء الصناعي يلعبه في هذا المحور بشكل عام. كل هذه المعطيات تجعل بُنى الاقتصاد القديم أو التقليدي لا تصلح بالدرجة الكبيرة للعالم المعاصر، ولابد أننا في السلطنة نعي ذلك ونتحرك نحو الاستفادة من التصورات الأكثر حداثة في هذا الإطار، غير أن ذلك يتطلب مضاعفة الجهود والمضي في مشروعات التحديث والتطوير الصناعي والاقتصادي والتجاري، في كافة القطاعات واستناداً على القيم الجديدة من معارف ومفاهيم وبنى وعي جديد، بحيث يمكن لنا الانتقال إلى فجر منشود ومرتقب.
إننا في عالم متعدد المسارات، متنوع الأهداف، وهو ملئ بالفرص في الوقت الذي يبدو فيه غامضاً وغير واضح، بيد أن الوصول إلى الأهداف وتحقيق المراد والانتقال إلى الفجر المأمول من تعزيز المنجزات وتطويرها، يعني ضرورة استيعاب صيغ العصر؛ وهذا يؤكد على ضرورة العمل بحزم كبير على الاستفادة من الثورة المعرفية والمعلوماتية الحاضرة.
فأمام ضخ البيانات والأرقام والإحصائيات تكون الحيرة، ما لم يكن العمل السريع والدقيق في الآن ذاته باتجاه صناعة الحاضر لأجل المستقبل، في حين تبقى حقب الزمن متصلة لا يمكن الفصل بينها كما هو معروف.
أخيراً فحجم التحديات هو الذي يعني في النهاية ما يمكن أن نحصله من نتائج في كافة الأصعدة، فالعمل المسؤول والجاد مع التفكير في الأسئلة الدقيقة والكبيرة التي تصوغ الاقتصاديات الراهنة والمستقبلية هو الذي يمكن بالفعل من اجتياز مرحلة إلى أخرى، وإلا سوف يسبقك العالم إن لم تكن مستعداً، لأن هذه طبيعة الحياة الإنسانية على هذا الكوكب.