مأزق تناقضات النخب العربية !

محمد جميل أحمد –

ليس من الصعب القول، إن ذهنية الأدلجة (يمينا ويسارا) وتوتراتها أصبحت تصميما حاكما لهوية المزاج العام لعلاقات النخب البينية العربية في الوسط الثقافي والاجتماعي، إلى حد يجعل وعي كلا الطرفين للآخر (يمينا ويسارا) يمر بالضرورة عبر سياج من الأدلجة لا يمكنه تمَثُّل أو تطوير موقف مستقل عن الأيديولوجيا.
كما يمكن القول، أيضا، أن هناك ذاكرة لتلك النخب العربية (يمينا ويسارا)؛ مشحونة ومتوترة؛ ذاكرة لا تختبر الدين والحداثة إلا بوصفهما مجالين يمثلان خزيناً متوتراً. وهي بطبيعة الحال ذاكرة لا تعكس؛ السياق الطبيعي المفترض لكل من الدين والحداثة في فضاء الوعي والمعرفة، فالذاكرة تلك هنا هي أكثر تعبيرا عن الملابسات التي أصبح عليها حال التدين في المنطقة الإسلامية منذ أكثر من 6 قرون، وكذلك الملابسات التي حكمت الدخول القسري في الحداثة مع الحالة الاستعمارية التي ارتبطت بها، وهي حالة انتظمت المنطقة العربية والعالم الإسلامي لأكثر من قرن ونصف. وبهذا المعنى، فإن ملابسات تلك الذاكرة، في تقديرنا، هي المانع الذي يحول دون رؤية الحقائق الموضوعية المتصلة بالدين والحداثة داخل سياقاتها المعرفية والمجتمعية والثقافية.
غير أن ما لا يلاحظه كثيرون، هو أن طبيعة مقاربة النخبة العربية وتوتراتها الحدية حيال الفكرتين الأساسيتين للدين والحداثة، ليست مما تفترضه المقاربة الموضوعية بل ولا تعبر أصلا عن سوية تتغيا تسوية حال المعرفة المتصلة بذينك الحقلين لتلك النخب حيال مقاربتها لشأن المعرفة العامة، بقدر ما تعيد إنتاج تمثيلات مأزومة لا يمكن ملاحظة إعاقاتها الذاتية إلا بتحديق نقدي حقيقي في الأفكار، وبصر عميق بسياق أفعال التخلف المتخفية في تعبيرات النخبة؛ لأن التخلف هو المشترك العام لتعبيرات النخب العربية يمينا ويسارا.
وما دام الأمر كذلك في شأن اشتغال التخلف عبر آلياته الخفية، فسيظل التوتر في تمثيلات تلك النخب جزءاً من المقاربة المزدوجة للدين والحداثة، وسيعكس في عقليات النخب؛ تمثيلات أبدية لنماذج أدلجة متحكمة في تصوراتها اللاتاريخية، والتي قد تمتد بوصفها اللاتاريخي ذاك، زمناً مديداً ما لم يتم الخروج من شرنقة التمحور حول مسبقات بنية وعي إيديولوجي غير قادر على التضحية بالايدلوجيا لصالح المعرفة؛ من أجل رؤية أكثر عمقاً لسياق الدين والحداثة من ناحية، ومن أجل اختبار تصور حقيقي وغير متوتر في أصل التعايش الطبيعي المتداخل بينهما، من ناحية ثانية.
وإذا ما بدا لكثيرين ما يشبه امتناعا بسبب العجز الواضح للنخب العربية عن تجاوز أزماتها المتجلية أساساً في منعكسات وعيها المتوتر وغير القابل لاشتغال آليات معرفة جسوره؛ فإن ذلك الامتناع بذاته سيظل، باستمرار، هو مظهر العجز العدمي الذي لا يريد أن يرى، عبر قوانين الفكر، حلولاً تفكك ألغاز ذلك الامتناع المزيف وتكشف عن مكانية وعي الدين والحداثة من خلال تجسير معرفي مزدوج الوجهة، أي في كونه اشتغالاً فكرياً لتنسيب وعي الحقلين من خارج البنى الأيدلوجية المتناظرة في ذهنية تلك النخب. وفي كونه، كذلك، اجتهادا في الاتجاهين: يمينا ويسارا! ويمكن هنا أن نستشهد بتجربة « لاهوت التحرير » في ثورات الثمانينات التي انتظمت أمريكا اللاتينية كتجريب معرفي جسور لنجاح الانتظام الثوري بين كل الطبقات، إذ كشفت تلك التجربة عن اختبار حقيقي لهوية المعرفة بحسبانها قدرة على رؤية الحقائق في سياقاتها الفكرية والمجتمعية، بعيدا عن الأوهام الأيدلوجية المتمانعة.
وبالجملة، فإن أصل الداء يكمن في بنية ذهنية مختلة في صميم آليات وعيها، بفعل التخلف، سواء في وعيها للحداثة أو للدين؛ فهي إذ تجعل من موضوع الحداثة ضاغطاً حرجاً حيال تمثل هوية الذات في الدين، تجعل، في الوقت ذاته، من أيدلوجيا التدين اغترابا عن المجتمع والعالم.
في كلتا الحالتين، يكمن العجز عن رؤية هوية مستقلة للعلاقات البينية خارج ذلك النمط بين النخب؛ بما يعزز حظوظ التضحية بسوية علاقات بينية ممكنة وفاعلة في المجتمع والدين والوطن.
إن رهان تفكيك الأدلجة المزدوجة في أفعال التخلف التي تمارس تمثيلات مضللة للتدين والحداثة معا؛ فتهدر ممكنات وعي نقدي، من شأنه أن يؤسس لمعرفة جديدة وعلاقات تفكير مشترك ومستقل وجديد، هو الذي سيجعل من الوطن والمواطنة أمرا غير قابل للانقسام لا على الدين ولا على الحداثة ! وحين نفكك منظومات الأدلجة الخفية والمستمرة لمواقفنا باستمرار؛ سنكون أكثر وعياً للحقائق الموضوعية الغائبة عن علاقاتنا البينية؛ تلك التي لا نريد أن نراها فقط لأننا لا نمارس نقداً حقيقياً وكافيا لجعل الفضاء العام لهويتنا الوطنية أكثر قربا من المعرفة والوعي الفكري والإنساني والمواقف الأخلاقية المسؤولة، وأبعد عن الأيدلوجيا المتعددة الوجهة والمكان. وإلا سنظل عالقين في أوهامنا حيال مواقفنا المزيفة والمزدوجة التي تصادر وعياً موضوعياً ممكناً، وقادراً على تسكين تناقضات وتوترات النخب العربية المختلة حيال فكرتي الدين والحداثة!