«الطوق والأسورة» تمزج بين روح المعاناة والإبداع وتفضح العادات المتوارثة

د.عزة القصابية –

استحوذت رواية «الطوق والأسورة» للكاتب يحيى الطاهر عبدالله على اهتمام المشتغلين بالشأن الدرامي منذ إصدارها في منتصف القرن الماضي حتى الآن. ومن أشهرها إنتاج فيلم «الطوق والأسورة» عام 1986م، من إخراج خيري بشارة.
وفي المسرح العربي، تستوقفنا تجربة ناصر عبدالمنعم الإخراجية لمسرحية «الطوق والأسورة»، والذي أخرجها لمرتين على التوالي بأسلوب إخراجي مختلف. وكانت أول إخراج لهذه لمسرحية «الطوق والأسورة» منذ عشرين عامًا. ولكنه لم يلبث أن أعاد صياغة مفرداتها الفنية وفق النص الذي أعده الدكتور سامح مهران. ولقد عرضت مسرحية «الطوق والأسورة» لأول مرة بحلتها الجديدة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر التجريبي الدورة الخامسة والعشرين، تكريما لهذا العرض الذي سبق وأن فاز في الدورات السابقة. كما أعيد عرضه مرة أخرى في مهرجان المسرح العربي بالقاهرة وفاز بجائزة أحسن عرض مسرحي.
ورغم بساطة قصة رواية «الطوق والأسطورة» التي وقعت أحداثها في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، إلا أن المخرج ناصر راهن على «القصة الإنسانية» ذات الصلة بمعاناة الشخصية المحورية فهيمة، محاولًا إبراز أبعادها الثلاثية من خلال تبيان علاقتها بواقع الشخوص الأخرى. كما استطاع أن يختزل تفاصيل الرواية السردية، ويحولها إلى فعل مسرحي بصري على الخشبة. برز الحدث المحوري في هذه المسرحية كعنصر أصيل، يصعب التلاعب بتفاصيله المنبثقة من موروثات البيئة التي تنتمي إليها أحداث القصة وشخصياتها حيث مجتمع القرية، وقضايا الثأر، والفهم المغلوط للدين، وانتشار الخرافة والجهل والعادات والتقاليد الساذجة… مثل الظلم الاجتماعي التي قد تتعرض له المرأة بدعوى الشرف.
ورغم مضى ردح طويل من الزمن على عمر الرواية التي كتبها المرحوم يحيى الطاهر عام 1933، إلا أن المجتمعات العربية لا تزال تئن تحت وطأة صراع العادات البائسة المترسخة في الفكر الأنثروبولوجي العربي، والذي يتخذ من التابوهات المحرمة قناعا له.
وفي مسرحية «الطوق والأسطورة» برزت «فهيمة» كبطلة تراجيدية، تلقى حتفها بسبب الجهل والخرافة المتوارثة عبر جيلين من أسرتها، وهي بذلك تتقارب مع «لعنة أوديب» التي حلت على أهالي القرية.
وتلاحق «فهيمة» عقدة العار بسبب الجرم الذي ارتكبته، ويتماثل ذلك مع حياة أمها، التي عاشت هي الأخرى معيشة ضنكا، عندما كانت تشاهد زوجها يعاني من المرض. كما أنها حزنت لسفر ابنها وغيابه لسنوات عديدة. وهذا يؤكد أن «فهمية» ضحية «أوديبيه» بحق، إذ كانت حياتها قاسية، تحملت أوجاع وعذابات أسرتها. كما أنها فشلت في زواجها، ثم حملها سفاحا من حارس المعبد، وغدر الشيخ هارون (رجل الدين) بها … وانتهاء بصرخات المخاض والفناء والانتقام.
إن النهاية التراجيدية التي اختتم بها المخرج ناصر عبدالمنعم عرضه المسرحي، جعلت المرأة الضحية الأولى، والأكثر تضررًا منذ وقوعها في المحرم، وعدم غفران المجتمع لزلاتها، حيث بدلا من تعاطف الناس معها لحل قضيتها، اعتبروها رمزًا للبلاء، وتسبب ذلك في تدهور حالتها النفسية، حتى أصبحت أكثر بؤسًا وحزنًا.
تضمن عرض مسرحية «الطوق والأسورة» جماليات بصرية جسدت الأحداث المستوحاة من عالم الرواية الثلاثينية، وأبعادها القروية. ورغم تعاقب الأجيال ومرور الأزمان، إلا أن المخرج ناصر انتشل أبطال عرضه من النص الذي أعده الفنان الدكتور سامح مهران، مسلطا الضوء على معاناة الشخصية المحورية «فهيمة». مع هيمنة واقعية «الزمنكية» على العرض المسرحي، إذ ارتسمت على خشبة المسرح تفاصيل القرية من خلال الديكور والأزياء والأكسسوارات وخلافه.
كان التراث المصري «المادي والغنائي» حاضرا في مسرحية «الطوق الأسورة» بشكل مبهر في السينوغرافيا العامة، واستطاع أن ينتصر لمفاهيم الأصالة والمعاصرة التي ظلت مثارا للجدل منذ أواخر القرن الماضي حتى عصرنا الراهن. وعند استغلال «التراث» لابد من إيجاد نوع من التوازن بين الحاضر والماضي لخلق العملية الإبداعية المعاصرة. وهذا جعل الكثير من مبدعي الجيل الأول من الكتاب والمسرحيين المصريين يعولون على المضمون التراثي في محاولة لتأصيل المسرح العربي.
لقد كثر الجدل في مطلع الستينات القرن الماضي حول قضية تأصيل المسرح والأدب، والمراهنة على قدرته في النبش في القضايا المسكوت عنها سياسيا واجتماعيا. وشكل ذلك تيارا مسرحيًّا، وجد أنصاره في التراث نصوصا زاخرة بروح التجديد، ما فتح أبوابا وآفاقا أكدت الذات العربية في ظل التيارات الغربية التي رافقت ظهور المسرح في الوطن العربي.
ولقد سعى المخرج ناصر عبد المنعم في مسرحية «الطوق والأسورة» للتأكيد على هوية المسرح العربي وفق رؤية إخراجية جديدة. إذ لم يكتف بسرد أحداث القصة، ولكنه ترجمها إلى مفردات بصرية تجسد واقع القرية؛ وذلك من خلال الديكور التقليدي للمنزل الريفي البسيط، وظهور المعابد الفرعونية القديمة، إضافة إلى الأزياء والأكسسوارات الأخرى.
دونما شك، أن ستار مسرحية «الطوق والأسورة» لم يسدل بعد !..وهناك عروض مسرحية قادمة، لمن فاته مشاهدة التجارب السابقة، وهذا يؤكد استمرارية الروح الإبداعية لروح رواية «الطوق والأسطورة»، وامتزاجها بجماليات الإبداع البصري للمخرج المبدع ناصر عبد المنعم. وذلك يمنحها جواز سفر للعرض في كثر من عاصمة عربية، ونأمل أن نشاهدها العام القادم ضمن عروض مهرجان مسقط الذي تنظمه بلدية مسقط كل عام.