شكرا أيها الخوف

مصباح قطب –

الخوف أنواع ودرجات، وعواقبه أو انعكاساته على الأفراد والجماعات والأمم أيضا أشكال ومستويات . منه الإيجابي ومنه السلبي ، والأخير مثلا قد يشل اليد أو اللسان أو العقل وصولا إلى إصابة القدرة أو القرار أو الإرادة على مستوى الدولة أو قادتها. يقال أحيانا : « من خاف سلم »؛ أي أن من يخاف يتخذ من الخطوات المتأنية أو العاقلة أو حتى المتهادنة بشكل أو بآخر ما يجعله في أمان وسلام . ويقال أيضا : «من أمن العقوبة أساء الأدب»؛ أي أن غير الخائف أو من اطمأن إلى أنه لن تتم معاقبته قد يرتكب أفعالا عدوانية أو قاسية أو حتى إجرامية صريحة . وقد لا يكون الخوف أو عدم الخوف بابا في علم السياسة الأكاديمي لكنه كتاب كبير في علم الحياة والواقع.
لقد تنفس العالم الصعداء بعد انتهاء اجتماعات قمة العشرين في أوساكا باليابان منذ أيام لا لشيء إلا لأن الخوف من العواقب قاد زعماء دول إلى محاولة تفادي الصدام إلى أبعد حد ممكن وبذلك نجا العالم ولو مرحليا من الاندفاع السريع الى أزمة اقتصادية عالمية عاتية وتراجعت نسبيا درجة التوتر الجيوسياسي.
قبيل وجوده في أوساكا أجرت صحيفة « فاينانشيال تايمز» الأمريكية حوارا مع الرئيس الروسي بوتين وكان من بين ما قاله أثناء حواره مع المسؤولين الأمريكيين حول سوريا ومصير حافظ الأسد : أنتم تطالبون بإقصاء الأسد . حسنا . لكن قولوا لي ما الخطوة التالية ؟ ولم يحيروا جوابا . هنا يمكن أن أشير إلى الخوف كبطل، فقد أثار سؤال بوتين – بغض النظر عن النوايا – هواجس الأمريكان خشية إمكان حدوث فوضى لا يستطيعون التعامل معها، وأمامهم درس العراق أو أن تستغل القاعدة خلو الساحة وتكوّن لنفسها نقطة تمركز عنيدة في سوريا أو… أو… إلى آخره .
الخوف مما يأتي في الخطوة التالية كان في ظني بطل الموقف في أوساكا . فترامب الذي يبدو أحيانا أنه لا يقيم اعتبارا لأي شيء، لديه هو أيضا مخاوفه أو ما يخشاه فهو رجل يؤمن بأن من حقه أن يحكم أمريكا الى الأبد والحد الأدنى أن يفوز بدورة رئاسية ثانية في الانتخابات المقبلة، ولا يتصور أن يفقد رجل مثله قدّم كل تلك الإنجازات والخدمات الرائعة لأمريكا – من وجهة نظره – التفوق انتخابيا ، ولذلك فهو مستعد أن يستمع إلى أي استشارة ، وقد قيل فعلا إن صحفيا أخبره بأن ضرب إيران يمكن أن يقلل فرص نجاحه وبالتالي أوقف الضربة ، أو سياسي أو أكاديمي ، وبانتباه شديد إذا تطرق الأمر إلى فرص فوزه في جولة 2020 ، ويصم أذنه ما عدا ذلك.
ترامب أيضا له مخاوفه من أن تؤدي حرب مع إيران إلى موت جنود وضباط أمريكيين وان يركز أعداؤه في الداخل أو خصومه على منظر النعوش العائدة فيفقد كل فرصة في النجاح انتخابيا . ترامب الذي تشدد إلى أبعد حد مع الصين في الملف التجاري والتكنولوجي لم يستطع أن يتجاهل مطالبة 600 شركة أمريكية كبيرة له بأن يغير أسلوب تعاطيه مع الصين لان الطريقة الحالية تكبده خسائر كبيرة وظني انه نظر في هذا الأمر انتخابيا أيضا، متصورا أن مثل تلك الشركات يمكن أن تنفق على حملات دعائية لإسقاطه في الانتخابات فتراجع في أوساكا عن أمرين هامين: الأول فرض جمارك بنسبة 25 % على 300 مليار دولار أخرى من واردات أمريكا من الصين، وسمح ثانيا وفي عبارة بها بعض الغموض لهواوي بالعودة الى شراء معدات من شركات التكنولوجيا الأمريكية ، مع أن كثيرين توقعوا أن يكون ملف هواواي آخر ما يمكن أن يتنازل فيه ترامب ، حيث تفوق الصين التكنولوجي هو عمود عملية دفع الصين الى صدارة الاقتصاد العالمي بدلا عن الولايات المتحدة في السنوات المقبلة .
جدير بالذكر أن بين زعيمي أمريكا والصين اتفاق كذلك على «استئناف المشاورات الاقتصادية والتجارية بين البلدين على أساس المساواة والاحترام المتبادل» وفق العبارة التي أوردتها وكالة الأنباء الصينية ، وهي عبارة تكررت في كل وسائل الإعلام الصينية مرارا ، بما يعكس وجعا لدى التنين مما اعتبره نوعا من الاستخفاف بقدرته ، كما ظهر في خطابات لترامب في أكثر من مناسبة.
وعلى ذكر الصين فلديها أيضا مخاوفها ، فبعد كل هذا التداخل مع العالم بفعل التجارة والاستثمار والسياحة. وكمثال له زادت التجارة البينية بين الصين وأمريكا من أقل من 2.5 مليار دولار أمريكي في عام 1979 إلى ما يزيد على 630 مليار دولار العام الماضي كما أن أكثر من 14 ألف شخص يعبرون المحيط الهادي كل يوم. لم تعد الصين تستطيع أن تقاطع أو تشعل حربا أو حتى تهدد وتنذر بلغة حادة مخافة أن يؤثر ذلك على اقتصادها وطموحاتها. لم يعد أمامها سوى الحوار والتفاهمات لا عن ضعف ولكن بإدراك عميق لضخامة الخسائر التي ترتبت على المواجهة . في ذروة الأزمة ورغم الاستفزازات الترامبية حافظت الصين على قدر عال من الاتزان والهدوء رغم وجود زمجرة قومية تحت السطح الهادئ خاصة بعد أن هبطت مبيعات هواتف هواوي بنسبة 40 % في أسابيع قليلة وفق ما أعلن قادة الشركة أنفسهم وبدأت شركات أمريكية كبرى رقمية تعلن الواحدة تلو الأخرى عن تخليها عن تقديم خدماتها إلى هواوي مما أصاب مستخدمو هواتفها بالخوف، إضافة إلى تهديدات ترامب المستمرة بفرض رسوم جمركية أخرى . في مقابل خوفها من تأثير الكساد العالي المرتقب عليها كأكبر مصدر في العالم، وخوفها على ريادتها التكنولوجية وأن تنشيط الاستهلاك الداخلي لن يعوض ما تفقده الصين نتيجة ممارسات وتهديدات وعقوبات ترامب في الأسواق الخارجية ، ومن أن التباطؤ الاقتصادي في الصين ستكون له عواقب خطيرة سياسية واجتماعية، حيث لا يجب نسيان أنه ما زال في الصين نحو 350 مليونا من الفقراء حتى اللحظة . بداعي كل هذا الخوف فإن الصين بدأت تفكر من ناحية في ابتكار ما يوجع الأمريكيين بنعومة مثل توجيه الشعب إلى عدم استهلاك سلع أمريكية في الحالات التي لا يضر فيها ذلك بالقوى العاملة الصينية، إذا كانت تلك السلع منتجة داخل الصين وتشديد التأهب عسكريا في بحر الصين الجنوبي وللتحذير من السياحة إلى أمريكا، وفي المقابل كانت الصين تقدم يدا أخرى للاستعداد للتفاهم؛ باعتبار أن التقارب الصيني الأمريكي هو ليس في مصلحة البلدين فحسب بل في صالح العالم كله ، ما قاد إلى ما حدث في أوساكا مما يعد انفراجة ولو مرحلية.
اليابان التي تخشى قوة الصين وتسعى في الوقت ذاته لنوع مع التقارب معها ولديها مع روسيا نزاع ممتد حول الجزر لم يتم حسمه رغم مرور عقود وتخشى من أن تشعل أمريكا الخليج، فيوقع ذلك أبلغ الضرر بمصادرها للطاقة-الصين والهند بنحو خاص -انطلقت من تلك المخاوف أيضا لتبذل أقصى جهد كي يظل منتدى جماعة العشرين كيانا معبرا عن المصالح الاقتصادية المشتركة وتعزيز العمل على تشجيع التجارة العالمية الحرة، والتعددية الدولية والحوكمة العالمية في مجال التجارة والمال والأعمال والاستثمار، ونجحت مثلا في منع إحراج ترامب بشان البيئة مع التنبيه في البيان الختامي إلى خطورة هذا الملف. روسيا لديها مخاوفها وكذا فرنسا وانجلترا الخ . في الحربين الأولى والثانية لم يكن مثل هذا الخوف موجودا فاشتعلت الحروب التي أكلت الأخضر واليابس والأرواح البشرية الهائلة قبلهما . الآن لا يستطيع أحد أن يغامر بهكذا حرب بسهولة أبدا . . شكرا للخوف !