وتر : ما هكذا يُقرأ الأدب

شريفة بنت عـــلي التــوبية  –

ليس هناك أشد خطراً على النص المكتوب ولا أكثر إحباطاً للكاتب من قارئ ساذج أو سطحي، قارئ لا يعي الفكرة ولا يدرك أبعاد النص، ولم يكلّف نفسه عناء الإبحار في أعماق بحر الأدب ليستشعر لذّة الغرق، لكنّه يكتفي بالوقوف على السطح عابراً على حروف العنوان وبعض السطور، باحثاً عن خطأ يدين به الكاتب، أو عن كلمة لا توافق هواه ومعتقده، حتى يصب جام غضبه على النّص وكاتبه، بينما يغيب الناقد و يختفي النقد الحقيقي، فيجد الكاتب نفسه متهماً في إبداعه وأدبه، من قبل من لم يقرأ له ولم يعرفه، وفي ظل هذا الغياب وهذه الفوضى تتكاثر الأقلام التي تكتب ويُصفق لها، كما تتكاثر العيون التي تبحث عن الزلّة أو البريق الزائف، لنخرج في النهاية بحصيلة هزيلة من الكلمات المكتوبة البعيدة عن لغة الأدب أو كتابات مرتبكة وخائفة، إلا الكاتب الحقيقي الذي يؤمن بأن الكتابة قضيّته ورسالته، والفعل الحر الذي يخلّصه من قيود الواقع، لتصبح الكتابة حاجة ماسة وضرورة ملحة إلى درجة إنه لا يتخيل حياته دون أن يمارس هذا الفعل الشهيّ والشقيّ بشكل يومي.
تصدم الكاتب تلك التعليقات وتلك التحليلات والتأويلات لنصه من شخص لا يقرأ وما زال يعتقد أن النصوص الأدبية يجب أن تكون أقرب إلى الموعظة، وأن على الكاتب أن يكون حارساً للأخلاق والقيم، منظّفاً لزجاج النوافذ المجتمعية، وعليه أن يكون إفلاطون وهو يبني مدينته الفاضلة على الورق، ويجهل إن روح الأديب الحرة لا تخضع لقيد وبل دائمة التحليق في فضاءات الخيال الساحرة، وأن على الكاتب أن يكتب ما في هذه الحياة من جمال وقبح ومن فضيلة ورذيلة، بعد أن يلبسها من ثياب خياله حلة زاهية، ويلبس خياله من حلل الواقع ثوباً ساتراً، فكم كان مؤلماً على نفس كل مُحب غيور أنه في اللحظة التي يصفّق فيها العالم لفوز عمل أدبي بجائزة عالمية، إذا بعيون تنبش في السطور نبش الجاهل الحاقد، وأصوات تنادي بإدانة الكاتب في أجمل ما كتب وأعظم ما قدّم لوطنه.
لذلك الكاتب لن يبدع ما لم يغلق تلك النوافذ، وما لم يعش عزلته بعيداً عن تلك الأصوات التي تشتت صنعته الخياليه، وما لم يحتمل السير على ( حد الحرف) حتى النزف، وما لم يلوذ بصمته الوقور أمام ضجيج الطبول الفارغة، وإلا كيف له أن يقنع من لا يقرأ ويقول له، ما هكذا يقرأ الأدب.