قمة أوساكا والتوافقات السياسية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

خرجت قمة العشرين والتي انتهت أعمالها مؤخرا في المدينة اليابانية اوساكا دون تحقيق تقدم كبير في الملفات السياسية والاقتصادية وفي مجال المناخ وعدد من القضايا الإقليمية أبرزها التوتر في منطقة الخليج بين إيران والولايات المتحدة أو حتى الحرب الملتهبة في اليمن ونتائجها الكارثية على الشعب اليمني الشقيق، ولعل الملف الذي تم اختراقه الى حدما هو الخلاف الصيني – الأمريكي من خلال إيجاد تواصل الحوار ورفع القيود على شركة الاتصالات الصينية العملاقة هواوي في عودتها الى التعامل مع شركات التقنية والبرمجيات الأمريكية.

أبرز المحطات التي شهدتها قمة أوساكا هي الحوارات الثنائية والتي كان من أبرزها اللقاء بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج وأيضا اللقاء بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس الأمريكي ترامب وأيضا اللقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوجان والرئيس الأمريكي وبالطبع هناك اللقاء بين رئيس الوزراء الياباني والتي استضافت بلاده القمة والرئيس الأمريكي علاوة على عدد من اللقاءات الأخرى.
ويبدو أن اللقاءات الجانبية كانت هي الأهم لأنها بحثت في الخلافات بين الأطراف وإيجاد حلول لها او على الأقل إيجاد آليات للتهدئة كما في الحالة الصينية – الأمريكية والحالة التركية – الأمريكية، ومن هنا فإن مجمل الملفات السياسية لم تختلف كثيرا عن القمة السابقة في الارجنتين فقط كان التوتر في منطقة الخليج هو أحد أبرز الملفات على طاولة الحوار الجماعي أو من خلال المؤتمرات الصحفية.

واشنطن – بكين

كانت الأنظار تتجه الى موضوع الحرب التجارية الملتهبة بين الولايات المتحدة والصين وهما اكبر اقتصاديات العالم حيث إن الاقتصاد العالمي ينتظر شيئا من الانفراجة في تلك الحرب وهذا ما حدث بعد إعلان الرئيس ترامب بأنه رفع القيود على شركة هواوي الصينية للاتصالات ودخولها مجددا السوق الأمريكية، وكان هذا خبر مفرح للصين على صعيد التجارة والاتصالات، كما اعلن الرئيس ترامب وقف أي رسوم جديدة ضد المنتجات الصينية، ومن هنا كان هذا الاختراق في ملف العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين هو من ابرز نتائج قمة العشرين في اوساكا. ورغم تلك الخطوة الإيجابية فان الخلاف بشكل كامل لم ينته وهذا سوف يعتمد على المفاوضات بين البلدين والتي سوف تكون شاقة خاصة على الجانب الصيني في ظل تجربة شركة هواوي للاتصالات والتي واجهت أوقاتا صعبة بعد تجميد التعامل معها من قبل شركات التقنية والبرمجيات الأمريكية مثل فيس بوك وواتساب وغيرها مما جعل الشركة الصينية تبحث عن شراكات مع نظيرتها الروسية.
إذن قمة اوساكا حققت بعض الاختراق في أحد اهم الملفات بين الصين والولايات المتحدة، وهذا الاختراق النسبي سوف يخضع للامتحان الصعب في قادم الأيام عندما يجتمع المفاوضون من البلدين لإيجاد اتفاق تجاري شامل بين واشنطن وبكين على غرار الاتفاق الأمريكي مع كندا والمكسيك ولا شك ان للصين بعض التحفظات على بعض مواد الاتفاق الذي تدفع به واشنطن للأمام.

التوتر في الخليج

لم تخرج القمة بحل جذري لحل التوتر بين إيران والولايات المتحدة ولكن التصريحات المختلفة من فرنسا وبريطانيا والمانيا أكدت على أهمية الاتفاق النووي مع إيران وهو الأمر الذي تراه طهران خطوة الى الأمام في وجه الاعتراض الأمريكي على ذلك الاتفاق الذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكي وبالتالي خلقت أزمة سياسية حادة كادت ان تؤدي الى حرب شاملة في منطقة الخليج.
لم يكن في وسع قمة العشرين ان تخرج بأكثر من ذلك رغم الاجتماعات الثنائية بين الرئيس الأمريكي وقادة الدول الأوروبية، ورغم اقتناع الأطراف بأن الحرب تعد مكلفة اقتصاديا وبشريا واستراتيجيا فإن بقاء التوتر في المنطقة قد يخلق حالة من عدم اليقين خاصة من قبل إيران حيث العقوبات الاقتصادية تمثل مشكله كبرى على الاقتصاد الإيراني في ظل عدد السكان الكبير الذي يقترب من مائة مليون نسمة.
منطقة الخليج من المناطق الحساسة وهي تحوي أكبر نسبة من النفط والغاز في العالم وهي ذات أهمية استراتيجية حيث مضيق هرمز والذي يعد أحد اهم الممرات في العالم وان أي تهديد للملاحة سوف ينعكس سلبا على الملاحة والتجارة الدولية، ومن هنا فشلت القمة في اوساكا في إيجاد مقاربة سياسية واكتفت أولا بالتصريحات التي تؤكد على اهمية بقاء إيران في الاتفاق النووي، وثانيا إيجاد آليات أوروبية فيما يخص التعامل التجاري والمالي مع إيران مع التهديد الأمريكي المباشر بمعاقبة اي شركة أوروبية تتعامل مع الجانب الإيراني.
إذن خرجت القمة بتصريحات لا تعالج الإشكال الخطير في المنطقة وتركت الأمور الى الوساطات والمشاورات والاتصالات التي تقوم بها عدد من الدول وفي مقدمتها الدبلوماسية العمانية والتي لها تراكم سياسي وخبرة في مجال التواصل مع الأطراف المختلفة في المنطقة والغرب.

اتفاقية المناخ

هذا الملف المهم وهو اتفاقية باريس للاحتباس الحراري حدث بشأنها إجماع كل الدول عدا الولايات المتحدة والتي انسحبت منها في عهد الرئيس الحالي كما هو الحال مع انسحابات أخرى وقعت عليها الولايات المتحدة كالاتفاق النووي الإيراني وعضوية واشنطن في منظمة اليونسكو واتفاقيات تجارية في المحيط الهادي ومن هنا بقي الموقف الأمريكي دون تغيير في رفض الاتفاقية والتحفظ على بنودها من قبل إدارة ترامب.
ولعل إجماع القمة على التمسك باتفاقية المناخ قد أضعف الموقف الأمريكي وأعطى للاتفاقية مسارا أقوى خاصة وأن عددا كبيرا من الدول يفوق المائة دولة قد وقعت على اتفاقية المناخ في باريس ولا شك أن الدول الكبرى في قمة العشرين وتمسكها باتفاق باريس للمناخ يعطي تلك الاتفاقية دافعية قوية نحو التمسك بها في ظل مخاطر حقيقية تواجه كوكب الأرض والارتفاع التدريجي لحرارة الأرض بسبب الملوثات وزيادة إنتاج المصانع الكبرى من الكربون والتلوث الصناعي،
ومن هنا تأتي أهمية اتفاقية باريس حول الاحتباس الحراري وعلى ضوء ذلك نجحت القمة في تأكيد الدول على المضي قدما في التمسك بها وتنفيذ بنودها على ضوء البرنامج الزمني الذي أقرته الاتفاقية في باريس.

موسكو – واشنطن

من اللقاءات المهمة والتي حظيت بالمتابعة الإعلامية هي لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهي قمة العالم كما يطلق عليها في ظل خلافات استراتيجية كمعاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى وموضوع التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016 وأيضا الوضع في سوريا وخاصة في محافظة إدلب وغيرها من الملفات العالقة بين البلدين، ومن هنا فان القمة اعتبرت قمة تمهيدية وانفراج نسبي على صعيد تلك الخلافات ومع ذلك فان العلاقات الأمريكية – الروسية ليست في افضل حالاتها منذ مشكلة اوكرانيا وموضوع جزيرة القرم وتبادل طرد السفراء والتي تلتها عقوبات امريكية محدودة علي روسيا.
إذن قمة اوساكا استطاعت على الأقل التخفيف من حدة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة وأيضا كان هناك لقاء مهم بين الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الياباني حيث تسود خلافات جوهرية على الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي وقضايا سياسية أخرى تتعلق بموقف اليابان من تايوان، كما ان الخلاف التركي – الأمريكي حول صفقة أنقرة الخاصة بشراء المنظومة الصاروخية اس 400 من روسيا قد أوجد لها الرئيس ترامب مبررا معللا ذلك برفض إدارة أوباما بيع المنظومة الصاروخية باتريوت لتركيا، وبالتالي لم يكن لأنقرة خيار سوى روسيا وهذا التصريح من ترامب خفف من الخلاف مع انقرة وقد تحدث انفراجة تعجل بتسليم طائرات اف 35 الامريكية لتركيا وعلى ضوء مجمل الملفات التي بحثتها قمة اوساكا فإن حل بعض الملفات قد حدث بشكل جزئي وعلى رأسها الملف التجاري – الصيني وأيضا الاجتماع الثنائي بين بوتين وترامب في حين ان ملف التوتر في منطقة الخليج بقي علي حاله مع تأكيدات من القمة على أهمية الحوار بين واشنطن وطهران لتجنب التصعيد الذي قد يشعل منطقة الخليج من جديد.