نجاح محدود على هامش قمة تكرر ما فعلته القمم السابقة

د. صلاح أبونار –

انتهت قمة أوساكا لمجموعة العشرين الكبار كما بدأت؛ فلم تأتِ بشيء غير متوقع أو لم يكن معروفا قبلها، ولم يفعل بيانها الختامي أكثر من إيجاز وترتيب ما جاء من قبلُ في بيانات اجتماعات القمة الوزارية التمهيدية الأربعة خلال يونيو 2019م.

وعندما ننظر إلى قمة الرئيسين «دونالد ترامب – شي جين بينج» التي انعقدت على هامش القمة، والتي منحها العالم أهمية تفوق أهمية القمة ذاتها، سنجدها لم تخرج بدورها عن التوقعات التي سادت ورددها الكثير من المراقبين، وبمعزل عن التوقعات ودلالاتها أخفقت القمة في مواجهة التحديات الأساسية التي تفرض نفسها على العالم في المرحلة الراهنة.
ومع ذلك ربما كان من الخطأ أن نقول: «إن القمة أخفقت في مواجهة التحديات»، والأدق أن نقول: «إنها أصلا لم تسعَ أو تخطط لمواجهتها». وتلك بالتأكيد مفارقة في حاجة لتفسير؛ ذلك أن قمة العشرين الكبار يمكن النظر إليها بوصفها أكثر هيئات تنظيم الجماعة الدولية أهلية وقدرة على القيام بهذه المواجهة، ويمكننا أن نرصد عناصر تلك الأهلية من منظورين: يتعلق المنظور الأول بإمكانيات المجموعة، وتتكون المجموعة من 19 دولة والاتحاد الأوروبي. ويعيش فيها ثلثا سكان العالم، وتنتج 80% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وتمتلك 75% من التجارة العالمية، ولا يقل أهمية عن ذلك امتلاكها لصفتين أخريين، فهي متوازنة في تكوينها الداخلي؛ إذ تجمع بين القوى الرأسمالية الغربية القديمة المتقدمة والقوى الصاعدة خارج أوروبا. وتجمع بين أهم القوى الاقتصادية على مستوى النطاق الجغرافي، من الغرب القديم إلى شرق وجنوب آسيا إلى أمريكا اللاتينية، وهي تضم أكبر المنتجين الصناعيين لكنها تضم أيضا أكبر منتجي النفط والغاز ممثلين في السعودية والاتحاد الروسي والولايات المتحدة، والصفة الثانية هي التجانس الاقتصادي، فالجميع يدين بعقيدة السوق الواحد والتجارة الدولية الحرة والعولمة، وباختصار لا تعاني من هذا الانقسام الاقتصادي القديم الذي ميز الحرب الباردة.
وماذا بشأن المنظور الثاني المنظم لعناصر أهلية المواجهة؟
يتصل هذا المنظور بميلاد وتشكل المجموعة وإنجازاتها الأساسية، ولدت مجموعة العشرين من رحم مجموعة السبع الكبار لمواجهة أزمة 1997 – 1998 الآسيوية المالية؛ بهدف تكوين مجموعة تضم القوى الصاعدة في الأسواق الجديدة، وعلى مدى عقد تقريبا اتخذت المجموعة شكل اجتماع سنوي لوزراء مالية أكبر عشرين اقتصاد عالمي ومعهم محافظو البنوك المركزية. وفي حدود تكوينها هذا كانت تعتبر امتدادًا لمجوعة السبع الكبار، لكنها وفقا لآراء أغلب المحللين لعبت الدور الأكبر في إنقاذ النظام المالي العالمي من الانهيار في أزمة الأسواق الآسيوية. ثم جاءت أزمة 2008م الاقتصادية العالمية، ومن قلبها تكونت المجموعة في شكلها الراهن، وشكلت المجموعة في شكلها الجديد القوة التي نجحت في دفع عملية الخروج من أزمة 2008م وتولت تنظيمها. ونجحت في تحقيق مهمة الإنقاذ عبر ثلاثة أساليب: الإشراف على ضخ 4 تريليون دولار على مدى سنوات قليلة للدفع بالحركة الاقتصادية وعدم الوقوع في براثن الركود، وتطبيق إصلاحات مالية عميقة، ورفع الحواجز الجمركية بين الأعضاء، وفي عملها هذا خلال أزمتين عالميتين، قدمت المجموعة مزيجا جيدا من القدرة الاقتصادية والإرادة السياسية وحسن التنظيم والالتزام.
ولكن المجموعة بعد اكتمال مهامها في تخطي أزمة 2008م الاقتصادية بدأ دورها العالمي في التراجع وتحولت تدريجيا إلى مجرد منتدى عام ومناسبة لالتقاء قادة العالم/‏ وهذا التراجع يمكننا أن نجد تفسيره في عدة عوامل: الصعود العالمي السريع والاستثنائي للاقتصاد الصيني، بخصوصياته الاقتصادية من حيث دور الدولة والنزعات الحمائية غير المباشرة، وحالة الصراع والشعور بالتهديد التي بثها داخل الغرب، والتفكك السياسي للتحالف الأطلسي الغربي بانعكاساته على المستوى الاقتصادي، وبطء التحرر الأوروبي من الوصاية الأمريكية، والذي أسهم فيه عدم رغبة أوروبا في دفع تكاليف هذا التحرر. والنمو المتفاوت للنزعة الحمائية على المستوى العالمي كرد فعل لأزمة 2008م، والأخطر التوتر المتصاعد داخل النظام العالمي؛ نتيجة نمو الأحادية الأمريكية ونزعة التدخل الروسي الخارجي في ظل بوتين والتوسع الاقتصادي العالمي الصيني المخطط في ظل مبادرة طريق الحرير الجديد، وكل تلك العناصر شكلت سياقات أثرت سلبا على عمل المجموعة، من خلال تقليل مساحات التوافق، ورفع مستوى التوترات، وتقليل إمكانية الحركة المشتركة.
صدر الإعلان الختامي للقمة في 43 مادة موزعة على أربعة أجزاء: جزء أول بعنوان «الاقتصاد العالمي»، وثانٍ بعنوان «تصور من أجل نمو اقتصادي قوي وصحي»، ويتناول قضايا التجارة والاستثمار والقدرة الاقتصادية الفائضة والابتكار والبني التحتية والتمويل العالمي، ومناهضة الفساد، وثالث يحمل عنوان «بناء دورة نمو عادلة من خلال معالجة أوجه الخلل واللامساواة»، ويتناول قضايا العمل والتشغيل والسياحة والزراعة، وجزء رابع وأخير يحمل عنوان «من أجل عالم شامل وقابل للاستدامة»، ويتناول قضايا التنمية والصحة العالمية والبيئة والتغير المناخي والطاقة والهجرة والتهجير القسري.
وعندما نحلل محتوى البيان يمكن الخروج بعدة ملاحظات: تفيد الأولى أن التحدي الأساسي الذي يواجه النظام الاقتصادي العالمي، أي تحدي الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لم يحظَ من البيان بما يستحقه من مواجهة في حدها الأدنى، وعلي مستوى اللغة وتحت الضغط الأمريكي الحاد الذي تجلي تأثيره أيضًا في بيان قمة ريودي جانيرو، اختفت الإدانة الحادة والباترة للنزعة الحمائية لتظهر إدانة ناعمة غير مباشرة وغير صدامية، ولم يشرِ البيان لأي من الإجراءات الحمائية التي ازدحم بها السوق العالمي، ولا إلى مصادر الإجراءات وتداعياتها السلبية على النمو العالمي. وباختصار هناك معركة ضارية تدور في الاقتصاد العالمي لا نجد لها أي حضور حقيقي في بيان القمة.
ومن المؤكد أن جلسات المؤتمر شهدت مواجهات حقيقية، ولكن المواقف الرسمية المعلنة تظل حريصة على تجنب المواجهة. وفي مقابل هذا الغياب تبرز قضايا التنمية المستدامة والنمو الشامل في أبعادها التي حددتها محاور البيان، ولكن هذا البروز يتسم بعدة سمات واضحة؛ فهو أقرب إلى فلسفة النمو العامة واستراتيجيات النمو الكلية منه إلى خطط وتصورات مواجهة محددة لمشاكل محددة، يُنتظر من اجتماع دوري سنوي أن يعمل على مواجهتها، وهو ذو تحيز غربي أو شمالي واضح فتتردد فيه بكثافة مصطلحات ومفاهيم الاقتصاد الرقمي والثورة الصناعية الثالثة والروبوتات وتمكين المرأة ومشكلات المتقدمين في العمر وأمن الطاقة، وفي هذا السياق يحتل مصطلح الابتكار مكانة مركزية. وهو في الموضوعات ذات التماس الوثيق مع اقتصاديات الدول النامية، مثل الصحة والتشغيل والقطاع الزراعي والكوارث الطبيعية والأوبئة، يطرحها من خلال مفاهيم وأطر شديدة العمومية وغربية أساسا وبعيدة عن خصوصيات واقع تلك الدول، وهكذا عند الحديث عن الزراعة يسود الحديث عن الرقمنة وتوفير المعرفة والحلول الابتكارية وسلاسل القيمة المضافة العالمية وتمكين المرأة والبنى التحتية عالية النوعية.
ولكن لم يتوقع منها أحدٌ شيئا مؤثرا من الأصل إذا استخدمنا معايير الواقعية والقدرة على مواجهة المشاكل. وهكذا كان الاهتمام بالقمة يتجه إلى شيء آخر يجري على هامشها وهو قمة «ترامب – شي». الحدث الذي يمكن أن يغير مسار الحرب التجارية الطاحنة الجارية والتي مر بها البيان الختامي مرور الكرام بل لم يذكرها بالاسم. انطلقت الجولة الثالثة في الحرب التجارية في 10 مايو 2019م، ووفقا لأرقام منظمة التجارة العالمية بلغ إجمالي الزيادة في الرسوم الجمركية، منذ جولتها الأولي في يوليو 2018م، ما قيمته 815.9 مليار دولار. وكان الجانبان قد توصلا إلى اتفاق لإنهاء الحرب بينهما لكنه انهار في اللحظات الأخيرة. وفي مواجهة هذا الموقف وُجدت قناعة أن أي لقاء بين ترامب وشي خلال قمة أوساكا القادمة لن يسفر عن أي شيء بفرض انعقاده أصلا، ولكن وجود رأي آخر أكثر ترويا وعمقا طرح أن الاجتماع سينعقد وسيسفر عن اتفاق ما، لن يشكل اختراقا للازمة بل فقط تهدئة من نوع ما، وكان من الطبيعي تحديد أسباب للتهدئة المتوقعة التي ستكون بالضرورة لدى الطرف القائم بالتصعيد، وفي هذا الصدد طُرح أن ترامب لا يمكنه مواصلة التصعيد مع دخوله إعادة انتخابه، وأن التهدئة سوف تقدم له دعما في مفاوضاته الجارية مع المكسيك وكندا. وأنه مع صلابة الموقف الصيني سوف تصل العقوبات بعد شمولها لكل صادرات الصين إلى التشبع، ولن يكون في مقدور واشنطن أن تهدد بالمزيد، الأمر الذي يعني الجمود أو التنازل.
وبالفعل صدقت توقعات الفريق الثاني، وفي يوم السبت وبعد اجتماع مدته 80 دقيقة أُعلن عن الوصول إلى اتفاق، وكان ما تسرب حتى الآن من عناصر الاتفاق أربعة عناصر، لن تفرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية جديدة. وسوف يعود الطرفان إلى مائدة المفاوضات، ولكن هذه المرة بدون سقف زمني. وسوف يشتري الصينيون المزيد من السلع الزراعية الصينية، وفي المقابل سترفع واشنطن الحظر المفروض على صادرات الشركات الأمريكية لشركة هواوي الأمريكية.
في التحليل الأخير، رغم أن الاتفاق لا يشكل اختراقا للأزمة، ولا تغييرا للتوازن بين الجانبين، فإنه يمكن اعتباره انتصارا صينيا، يجد رمزه الواضح في التنازل بشأن الصادرات إلى شركة هواوي، التي بررت الإدارة حظر التصدير إليها بكونها مهددة للأمن القومي الأمريكي.