إسرائيليون يناقشون خطة السلام الأمريكية

ماجد كيالي –

اللافت أن الحكومة الإسرائيلية، بقيادة اليمين القومي والديني، لديها اعتراضات عديدة على الخطة الأمريكية للسلام، ولاسيما ما يتعلق منها بتخفيف القيود على الفلسطينيين وأنشطتهم الاقتصادية، ورفع الحصار عن غزة، والمشاريع التي تتوخى الربط بين الضفة والقطاع.
فثمة اعتراض إسرائيلي، أيضاً، على ما يسمى خطة «صفقة القرن»، التي أعلنت الإدارة الأمريكية عن شقّها الاقتصادي مؤخّراً (الشق السياسي سيعلن بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة)، أي أن ذلك لم يقتصر على الفلسطينيين.
ومعلوم ان ذلك اليمين وطّن نفسه على رفض أي اعتراف بحقوق وطنية للفلسطينيين، بوصفهم شعبا، وهو ما تجلى مؤخرا بإقرار قانون القومية اليهودية، الذي يعتبر إسرائيل دولة قومية لليهود، وأن لها وحدها الحق في السيادة وتقرير المصير.
وللتذكير فقد تمثل ذلك، أيضا، برفض اليمين الإسرائيلي لاتفاق أوسلو (1993) رغم الإجحافات المتضمنة فيه بالنسبة لحقوق الفلسطينيين، ورفض إقامة دولة فلسطينية بحدود 22 بالمائة من أرض فلسطين التاريخية، وضمن ذلك يأتي رفض خطة «خارطة الطريق» (2002)، ورفض تفاهمات أنا بوليس (2007)، وبشكل أخص رفض المبادرة العربية للسلام التي أقرت في مؤتمر قمة بيروت (2002) رغم أنها وعدت بالتطبيع مقابل السلام.
بيد أن القصد هنا لا يتعلق بالحكومة الإسرائيلية بقيادة اليمين القومي والديني، فهذا بات معروفا، وإنما القصد تسليط الأضواء على مواقف إسرائيلية تعترض على الخطة، أو ترفضها، من وجهة نظر الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومن وجهة نظر تتطلع إلى نوع من سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ما يضفي شرعية على الموقف الفلسطيني، الرسمي والشعبي، الذي يرى في هذه الخطة ملهاة أخرى، تستهدف فقط تبديد حقوقه الوطنية، وطمس حقه، كشعب يحلم بالحرية والمواطنة وتقرير المصير.
وبديهي ان ما يعزز من مخاوف الفلسطينيين هو أن تلك الخطة تأتي من قبل إدارة أمريكية أعلنت بوضوح اعترافها بالقدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية، وأقرت بمشروعية الاستيطان في الضفة، وتملصت من الاستحقاق المتعلق بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ووضعت نصب عينيها تصفية قضية اللاجئين، وأوقفت التمويل للسلطة الفلسطينية، وأغلقت مكتب منظمة التحرير في واشنطن.
مثلا، هذا اللواء عامي أيالون (رئيس جهاز الشاباك سابقا) يعتبر أن صفقة القرن «تنطوي على خطر كبير على إسرائيل والفلسطينيين.. محاولة البدء بهذه العملية من الزاوية الاقتصادية… خطأ استراتيجي كارثي. لو تعمق ترامب ومعاونوه قليلاً لأدركوا أن البدء بالحديث عن الاقتصاد، قبل ملامسة القضايا الجوهرية في النزاع، تشكّل صفعة على وجنة الفلسطينيين وعدم فهم مطلق لتطلعاتهم الوطنية؛ ذلك أنه لو كان بالإمكان «شراء» الفلسطينيين بعطايا وامتيازات اقتصادية مقابل التخلي عن طموحاتهم الوطنية، لكان هذا قد حدث منذ زمن بعيد بالتأكيد.. الحديث هنا يتعلق بنمط تفكير ليس غير أخلاقي فقط، بل مستحيل التحقق أيضاً.. لا فائدة من الانطلاق إن لم يكن الهدف النهائي الذي يُراد بلوغه محدداً وواضحاً مسبقاً.. إنهاء الاحتلال، إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل في حدود 1967، مع تبادل إلزامي لبعض المناطق. («يديعوت»، 21/‏‏‏6).
ويقارن المحلل الاقتصادي سيلفر بلوتسكر، بين تجربة مؤتمرات القمة للتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، التي عقدت في التسعينيات، في الدار البيضاء والدوحة وعمان والقاهرة، بوعد التنمية والسلام، وإقامة علاقات اقتصادية بين إسرائيل والدول العربية، ثم وصلت إلى طريق مسدود، وبين المشروع الأمريكي المتعلق بالتنمية والازدهار، وهو الشق الاقتصادي لصفقة العصر، بقوله: «عرضت الخطة على مندوبي العالم العربي.. فاقشعرت أبدانهم…. وأغلقت على الفور. لا نحتاجكم، قال لنا العرب.. لم يتأسس بنك دولي لتنمية الشرق الأوسط. ولم يوقع أي اتفاق للتعاون في الاستثمارات في البنى التحتية. لا في كازابلانكا ولا في عمان والقاهرة. فالشك، العداء، النفور من خطوة تطبيع بارزة مع إسرائيل قبل التوقيع على اتفاق سلام كامل مع الفلسطينيين صفّت كل احتمال لـ شرق أوسط اقتصادي جديد».
والآن، يقول بلوتسكر، «ثمة 50 مليار دولار لتمويل الازدهار الاقتصادي المستقبلي في المنطقة – رقم ممجوج… عنوان بلا غطاء وبلا أمل. كما أنه كاذب… والتشبيه، مثلما جرى مرة تلو الأخرى.. لمستقبل فلسطين مع مستقبل سنغافورة وكوريا الجنوبية – هذا هراء اقتصادي، اجتماعي، سياسي، وشرق أوسطي من الدرجة الأولى.» «يديعوت أحرونوت»، 25/‏‏‏6).
أما عميرة هاس، الصحفية المدافعة دوما عن حقوق الفلسطينيين، فكتبت: «خطة كوشنر.. تشبه رسما لسفينة كبيرة معدة للإبحار في رمال الصحراء. نص ممل جدا ومليء بالوعود الفارغة.. تعزيز، قطاع خاص، مشاريع، تنافسية، التصدير الفلسطيني، مناطق صناعية، تحسين النقل، تطوير جهاز التعليم، دمج النساء في سوق العمل.. (لكن) لا يمكن الحديث بصوت مرتفع عن تطوير الاقتصاد الفلسطيني دون المطالبة برفع القيود الإسرائيلية التي تقيده… تقارير البنك الدولي أشارت الى أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر مئات ملايين الدولارات كل سنة بسبب سيطرة إسرائيل على 70 في المائة من أراضي الضفة.. دافعو الضرائب الأمريكيون والأوروبيون قاموا بتمويل مشروع الاحتلال الكولونيالي… تخطط الولايات المتحدة أن تقوم الدول العربية بتمويل الاحتلال الإسرائيلي.» («هاآرتس»، 25/‏‏‏6)