المدنية .. مزيد من الارتباك ومن الفوضى

أحمد بن سالم الفلاحي –

الإنجاز المادي النوعي الذي تحققه البشرية في مجالات الحياة المختلفة -على ما يبدو- أنه لم يصل بعد إلى الغايات الكبرى التي يطمح إليها الإنسان من هذا الجهد الخلاق المتواصل للارتقاء بحياته، وبحياة الكائنات الأخرى من حوله، فلا تزال الصورة تراوح نفسها منذ أن كانت في بواكير العمر الأولى للبشرية قاطبة وإلى اليوم.
والصورة المقصودة هنا، ليس هذا الإنجاز المادي الأوحد، وإنما الإنجاز في بعديه المادي والإنساني على حد سواء، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وتعود ضآلة عدم توافق البعد الإنساني في هذا التحقق مع البعد المادي إلى أسباب كثيرة تأتي في مقدمتها النزعة الإنسانية الفطرية التي لم يستطع الإنسان التخلص منها، وهي النزعة نحو تحقيق الذات الخاصة فقط، والتموضع على المصلحة الشخصية، وإلى إعلاء روح الشخصنة القاتلة، وهي ما تسبب كل هذا الدمار الذي تشهده البشرية، أو تعيد إنتاج أسبابه ومبرراته في كل مرة، وفي كل فترة زمنية تمر، معللة ذلك بظروف العصر، وباحتياجات الإنسان الحاضرة التي تستوجب أن تظل الإنسانية ذاتها تستمرئ الفعل المشين للبقاء والاستمرار، مغمضة عينيها عن مجموعة الإخفاقات والمآسي التي تجتزئ من الإنسانية طموحاتها نحو البقاء بهدوء من جميع المنغصات التي تثقل كاهلها منذ أن كانت تبدأ خطواتها الأولى نحو الحياة، ويأتي استحضار واقعة ابني آدم – عليه السلام – في لحظة المواجهة التي أدت إلى قتل أحدهما للآخر كمبرر مسوغ للاتكاء عليه للحكم على هذا الاستمرار منذ ذلك الزمن البعيد، وإلى هذا الزمن البعيد، والمستمر أبدا.
ومع ذلك كله لا تزال الأجيال تراهن على تحقق هذه اللؤلؤة الجميلة «المدنية» وتحجز لها مساحة واسعة للتحقق، وعندما تنجز هذا المتحقق المادي النوعي، فإنها تذهب الى ذات المشروع، ولم تفقد الأمل بعد، لأن المتحقق المادي يسيّل لعاب الجميع؛ واعين بذات المسألة، أو غير واعين؛ ومن هنا يأتي إعمال الجهد، وعدم استحضار اليأس، فالمدنية مشروع كبير، ومتفرع ويراوح في نتائجه إيجابا وسلبا على المستويين الأفقي والرأسي بذات الفاعلية والتأثير والسرعة، وأقول إيجابا وسلبا، لأن هناك شعوبا مستقوية تتلذذ بشيء من نتاج الـ«مدنية» أكثر من غيرها، ولذلك تعيش شيئا من نسبية العائد الإيجابي لهذه الـ«مدنية» المزعومة، بينما هناك شعوب أخرى؛ مغلوبة على أمرها؛ لا تزال تكتوي بنار العائد السلبي لها، ولعل في وجود هذا التمايز ما يتيح الفرصة لتقييم مختلف الأنشطة البشرية، وهذا ما يندرج تحت حكم «سنة الله في خلقه» ويقتضي الفهم هنا لـ «المدنية» هو الصورة الشاملة للرفاه المادي والإنساني على حد سواء، بما في ذلك مفهوم «الدولة المدنية».
منذ بدء النشاط الإنساني ظلت المادة المستخدمة في مختلف أوجه الحياة هي المسيطرة على المشهد، ولو على حساب البعد الإنساني، وبالتالي أدمنت الفطرة على ذلك لتزيد من إعلاء القلق، وليس التخفيف منه، فالسرعة المهيبة في حيوات الناس فعلت من مستوى الارتباك، ولم تخفض حدته، وظلت الشكوى قائمة طوال فترات الحيوات البشرية من هذه السرعة التي لم تعط نفسا حيويا يستطيع الإنسان أن يوجد فيه متسعا من الوقت ليرخي سدول الاطمئنان والراحة، والسبب في ذلك أن من أرهقه العناء من هذا اللهاث غير المنتهي، في ذات الوقت هناك جيل آخر أكثر طموحا منه بحكم الحداثة والتجديد، فيعمل على إعلاء المكتسب المادي أكثر فأكثر، ولو على حساب البعد الإنساني؛ غير الملموس؛ والأجيال في حداثتها منساقة بصورة فطرية الى اللهاث وراء الـ«مدنية» وترتهن في ذلك على ثمارها اليانعة، وتكتشف في نهاية المطاف أنها لم تحصل لا على «عنب اليمن، ولا بلح الشام» كما هو المثل العربي الشائع.
تذهب بعض التنظيرات إلى ضرورة تحقق وعي بالمسألة الدينية في مختلف مناخات الحياة الإنسانية، لأنها الكفيلة بحقن النفوس الباحثة عن الاطمئنان بهذه المادة الساعية ورائها كل النفوس، وهي «الاطمئنان» فحالات القلق المزلزلة للكيانات البشرية، لا يخفف من وطأة هذه الزلزلة عليها سوى المادة الدينية، المغضوض عنها الطرف في كثير من الأنشطة البشرية، لأنه؛ وفق هذه الرؤية؛ لا معنى لحياة الإنسانية بدون إنزال المادة الدينية المنزلة المباركة في هذه النفوس المستنفرة، وهناك تنظيرات أخرى ترى أن الحياة المشاعة هي الأكثر تحقيقا لحالة الاطمئنان هذه، لأن «المشاع» يعفي أي طرف من مجموعة من المحددات الذاهبة إلى تقييد الحرية، وهذا التقييد هو أيضا أحد مسببات القلق، والممارسة الإنسانية؛ كما هو ملاحظ، تعيش الحالتين، وكل ينتقد الآخر في سلوكياته، وبالتالي لم يصل الجميع إلى الغايات المأمولة، ولا تزال الحالة تراوح نفسها، ولا تزال تعيش تجربة الخطأ والصواب، وكل التجارب التي مرت لم ترسخ قناعات أصيلة تقنع كل طرف بصواب أو خطأ ممارساته.
هناك استطلاعات وتقارير ودراسات تؤكد أن تقدم الحياة الإنسانية الـ«مدنية» لم تجلب الهدوء والاستقرار للبشرية، ولا يزال الارتباك والفوضى سيدي الموقف، وبالتالي فمتى ارتفعت نسبة الإيجابية في دول ما – وأغلبها الدول الغنية – فذلك عائده الى ارتفاع مستوى الرفاه المادي لفئات دون أخرى على مستوى تلك الدول، وأما بخلاف ذلك فجل الدول غير المصنفة من الغنى فإن مواطنيها يعيشون ذات القلق والإنهاك والتوتر بصورة ملازمة ودون أدنى تمثيل، فمؤخرا؛ على سبيل المثال: «كشف استطلاع دولي جديد عن تزايد شعور الناس عبر العالم كله بالغضب والتوتر والقلق، واستطلع القائمون على الدراسة، التي أجرتها مؤسسة غالوب، أراء نحو 150 ألف شخص في 140 دولة ليخلصوا إلى نتيجة مفادها أن ثلث المستجوبين عانوا من التوتر أو الضغط العصبي وأن واحدا عن كل خمسة أشخاص عرف الحزن والغضب.كما سألت المؤسسة الناس عن تجاربهم الإيجابية والسلبية في الحياة». وكانت الدولة الأكثر سلبية هي الدول الواقع في حزام الدول المغلوبة على أمرها بشكل خاص (دون تسميتها هنا) أما الدولة الأكثر إيجابية فكانت الدول الواقعة في حزام الدول الغنية منها باراغواي، والولايات المتحدة في المركز 39 بين الدول الأكثر إيجابية، وبريطانيا في المركز 46 وحلت الهند في المركز 93» هذا وفقا لمصدر موقع إذاعة البي بي سي بتاريخ 25 يونيو الماضي. لذلك من يزر اليوم المدن الكبرى المخيفة بهياكلها الضخمة – وقد زرت بعضها – في كل شيء يجد حالة التناقض الواضحة بين سكانها، فهناك من يسكن العمارات الشاهقة فاحشة الثراء والطاغية تمدنا، وهناك من لا يزال يلتحف بقطع الصفيح، والعشوائيات، والأوراق السميكة المسندة على ذات البنايات الشاهقة، وكلا الطرفين يعيشان في قلق وتوتر، وكل البهرجة المادية في مدنيتها لم تفلح أن تضفي نوعا من الاستقرار على سكانها، أو على الأقل تهديهم شيئا من الأمان والهدوء، لأنها قائمة على المقياس المادي، وهو المقياس الوحيد المراهن عليه لتحقيق الرفاه، ولذلك لم تحقق هذه المدن لساكنيها أحزمة الأمان، أو المناطق منزوعة السلاح تقاوم أذرعها المادية التي لا تفرق بين غني وفقير إلا بقدر المكتسب المادي، ولذلك فهي وفق التقييم المادي، تصبح فضاء هلاميا يضاعف من شدة القلق عند الجميع.
جميعنا يتابع اليوم تفاعلات الأحداث الجسام التي تشهدها البشرية، وهي أحداث تظهر فيها الندية، والقوة بمفاهيمها المختلفة، فانتقال أسلوب الحروب – على سبيل المثال – من التقليدية الى الإلكترونية ضاعف من حدة القلق عند الناس، حيث أصبح كل فرد معرضا لاختراق محدداته الأمنية المحدودة، فالعدو لم يعد على مرأى العين، وإنما يتسلل إليك عبر الذرات المنتشرة في الكون، وبالتالي فلا المهددات الأمنية هي تلك المهددات التقليدية، ولا الأمراض عادت هي تلك الأمراض المعروفة، وبالتالي فلم تعد حياتنا آمنة بالمفهوم التقليدي المطلق، وبالتالي فمجموعة الجدر الحاكمة أو الضابطة؛ المعتادة؛ لن تكون فاعلة، وعلى الناس في خضم هذه المدنية القاسية أن يبحثوا عن جدر أخرى لعلها تشعرهم بشيء من الأمان، والهدوء النسبي.
يقتضي الفهم هنا التسليم بأن ما نعيشه من رفاه مادي يبقى جميلا في ماديته وفي صورته الاحتفالية التي تخطف الأبصار، أما بخلاف ذلك فقد خطف المعنى الحقيقي للمدنية، كما هو الحال لمفهوم السعادة، التي ظلت؛ ولا تزال؛ طائرا أسطوريا متخيلا، خاضعا لحسابات النسبية، والتقدير النسبي في شأن تحققها، ولا يزال الناس مختلفين.