مع الروائيّ الفرنكوفونيّ ألبير قصيري

أحمد فرحات –

صحيح أنّ كاتبنا الكبير كان قد فقدَ النطق بعد عام 1998 نتيجة السرطان الذي فتك بحنجرته وحباله الصوتيّة، لكنّه قبل هذه الفاجعة الصحيّة المُرعبة، كان يميل إلى الصمت والتأمّل والإطراق المفتوح.

عن 94 عاما، وفي مثل هذا الشهر يونيو من عام 2008 وفي الغرفة رقم 58 في فندق «لا لويزيان» الباريسي المطلّ على نهر السّين، رحلَ الروائيّ الفرنكوفونيّ المصريّ ألبير قصيري، هو الذي كان نزيل الغرفة المذكورة في الفندق المذكور مدّة 63 عاما، لأنّه – كما قال لي – لم يعُد يعرف العيش في أيّ مكان خارجهما، فلقد صارا جزءا من نَفَسِهِ وجسده وعالَمه الكتابيّ.
كما كان قصيري يتردّد، وبشكلٍ شبه يومي، على: «كافيه دو فلور»، وهو مقهى تاريخي عريق يقع في بولفار سان جيرمان الشهير في باريس، يؤمّه الكتّاب والشعراء والفلاسفة الفرنسيّون، ويجلس قصيري غالبا في المقعد ذاته الذي اعتاد الجلوس فيه. وكان النادل، على جري العادة، يلحقه بفنجان قهوته الاعتيادي دونما كلام منه أو حتّى نأمة أو إشارة.
صحيح أنّ كاتبنا الكبير كان قد فقدَ النطق بعد عام 1998 نتيجة السرطان الذي فتك بحنجرته وحباله الصوتيّة، لكنّه قبل هذه الفاجعة الصحيّة المُرعبة، كان يميل إلى الصمت والتأمّل والإطراق المفتوح.
طاعنا في الغربة والغرابة والانطواء والانطوائيّة كان ألبير قصيري، لكنْ وبمجرّد أن تقتحم عليه غربته، كان يبتسم على الفور، ويدعوك إلى مجالسته، محطّما كلّ الحواجز النفسيّة والشخصيّة بينك وبينه، ومُبادِرا هو إلى السؤال عنك وعن صحّتك وأحوالك في هذه الحياة المعقّدة. وقد عرفته شخصيّا عن كثب وحاورته مرارا في مرحلتَي النطق والإكتام لديه: في الأولى، كان يجيب عن أسئلتي بالكلام المُرسل والاعتيادي، وفي المرحلة الثانية كان يجيب عنها بالكتابة.. كنتُ، مثلا، أدفع إليه بالسؤال مكتوبا، فيدفع إليّ بالإجابة مكتوبة… وهكذا.
وألبير قصيري الذي وُلد في حيّ الفجالة في القاهرة في نوفمبر من عام 1913، وعاش في فرنسا منذ الحرب العالميّة الأولى وحتّى وفاته ودفنه في مقبرة مونبرناس، لم يطلب يوما الجنسيّة الفرنسيّة. ولم يفكّر البتّة في هذا الموضوع؛ ربّما لأنّه لم يحتج إلى عمل على أراضي الدولة الفرنسيّة وما يستتبعه ذلك من تحصيل حقوق فرديّة ماديّة وصحيّة واجتماعيّة وخدميّة… إلخ، فهو ابن عائلة مصريّة ثريّة عاش هو وإخوته من عوائد أملاك العائلة التي توطّنت مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكانت العوائد كافية لتحصيله العيش الكريم من دون بسط اليد للآخرين. وهذا الوضع المادّي المستقرّ، جعله ينصرف كليّا إلى الكتابة الأدبيّة الحرّة والانخراط الثقافي الفاعل والمتفاعل في عوالِم الثقافة الفرنكوفونيّة كما عرفتها باريس في الأربعينيّات والخمسينيّات والستينيّات من القرن الفائت. ومن هنا تعمّرت بينه وبين شخصيّات ثقافيّة فرنسيّة كبرى علاقات فكريّة وإبداعيّة مميّزة، نذكر منها: جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وألبير كامو، وجان جينيه، وآلان روب غرييه، والنحّات السوريالي ألبرتو جياكوميتي، وغيرهم.. وغيرهم.
صحيح أنّ البير قصيري كان فرنكوفونيّا حتّى العظم، وذلك منذ نعومة أظفاره ودخوله مدارس الإرساليّات الفرنسيّة في القاهرة، والتخرّج فيها، قبل انتقاله للعيش والإقامة الدائمة في باريس، لكنّ فضاء موضوعاته الأدبيّة ظلّ – في المقابل – مصريا على وجه الإجمال، ولم يكتب الرجل أبدا عن باريس وما تعجّ به من ظواهر يمكن أن تشكّل له مادّة خصبة للإبداع؛ فأبطال رواياته وقصصه كانوا في الغالب من المصريّين البسطاء والمهمّشين والمنبوذين اجتماعيّا، وكان يعتبر أنّ هؤلاء، ومَن يشبههم طبقيّا في المجتمعات الأخرى، يستحقّون أن يكونوا محور اهتمام كتّاب العالَم الكبار كافّة.
هكذا ظلّت مصر في ذاكرته أشبه بحالة اجتماعيّة وإنسانيّة وغنائيّة مبطّنة، يستنفدها ويقلّب احتمالاتها ويحصيها في ذهنه وقلبه مراراً، ولا يسمح لنفسه بتجاوُز مَداراتها نحو أيّ مدارات محوريّة أخرى، حتّى ولو كانت باريس نفسها. ولا غرو، فالاعتراف بنُبل المقاصد الوطنيّة المصريّة لديه، أمر يُمكن التقاطه على الفور، ودونما أيّ مقدّمات.
قال لي «مصر في داخلي، مصر لم تغادرني على الإطلاق، وأنا متشبّث بها أكثر بكثير ممّا لو كنتُ أعيش على أرضها الآن. وربّما، يا صديقي، أكون قد غادرت مصر إلى فرنسا، كي أحبّ مصر أكثر وأتعلّق بها أكثر… مَن يدري؟! عليّ اكتشاف ذلك باستمرار، تماما كما على قارئي العميق أيضا».
وماذا عن فرنسا كوطن جديد لك؟ أيّ ولاء تكنّه لها؟
أجابني على الفور: فرنسا هي وطن كلّ كاتب وشاعر وفنّان حقيقي في هذا العالَم.
يكفي أنّها تتيح له، إذا انتمى إليها طبعا، أن يكون حرّا فيها بلا أقنعة سابقة أو لاحقة. نعم يا صاحبي، فرنسا بالنسبة إليّ، هي كما مصر، سواء بسواء، وطن يقع دائما في باب الإحساس بنَوع من صوفيّة الأرض والشراكة البشريّة الواحدة في امتلاكها.
مع كامو وسارتر ذات يوم قلت لي إنّ علاقتك بألبير كامو كانت جذريّة وغير عابرة.
كيف تبدّى لك ذلك؟
سألته فأجاب: قوّة القلب والمَشاعر التي هي من قوّة العقل أفادتني بذلك. فألبير كامو شخصيّة ودودة، محبّة على الرّغم من غموضها وتبرّمها وتأمّلها الحائر. ثمّ إنّه هو الذي نصح «دار جاليمار» الفرنسيّة بنشر مجموعتي القصصيّة الأولى: «بشر نسيهم الربّ»، من غير أن أكلّمه في الموضوع أبدا. لقد تحرَّك كامو من تلقاء ذاته وقناعته بما قرأ، وخطوته هذه قدَّمتني بقوّة إلى القرّاء الفرنسيّين ووضَعت قدمي بثقة على درب الكتابة الأدبيّة المُعتبَرة.
وكيف كانت طبيعة علاقتك بجان بول سارتر؟ ماذا عَنَى لك؟
أجابني: من الصعب أن تتقبّل بصفاء شخصيّة سارتر منذ اللّقاء الأوّل به. فهو يبدو قاسي الملامح والنظرات وحتّى العبارات التي يطلقها، وديباجته الشخصيّة كانت غير سهلة وغير متدانية. لكن بعدما تُجالسه أكثر من مرّة، لا تملك سوى أن تنجذب إلى شخصه الغني بالأفكار والآراء والتسديدات.
إذن، كانت لسارتر الأُهْبَة الفكريّة والثقافيّة الصارمة التي تُخضع الآخرين منذ اللّقاء الأوّل بهم.. أليس كذلك؟
أطرق ألبير قصيري قليلا، ثمّ أجابني وهو يبتسم: أجل، تشخيصك صحيح.. صحيح. كأنّك كنت معي في كلّ مرّة كنت ألتقيه فيها. لكنْ اسمح لي أن أقول إنّ سارتر الأديب والفيلسوف الوجودي، هو الذي كان يلطّف أو يخفّف على الدوام، من سارتر السياسي والأيديولوجي.
هل تودّ القول إنّ ماركسيّة جان بول سارتر تنتمي إلى ما يُمكن وصفه بالماركسيّة «الصوفيّة الملاذيّة»، تلك التي تؤشِّر أيضا إلى ما كان يسمّيه سارتر نفسه بالخلاصة الأرقى لتطوّر العقلانيّة؟
هنا أمسكَ ألبير قصيري بقلم رصاص كان على الطاولة وراح يؤشّر لي به وكأنّه عصا قائلا: لا.. لا يا صديقي. سارتر لم يؤمثِل الماركسيّة.. ولا توهَّم يوما بماركسيّة بريئة من شأنها أن تخرجها عن القوانين الوضعيّة التي آمن بها. كلّ ما فعله سارتر، هو أنّ الأديب والمسرحي الوجودي العدمي فيه، هو الذي كان يرطِّب من شخصه السياسي والإيديولوجي الصارم.
في أدب القصيري على مدى حياته المديدة لم يَكتب الروائي ألبير قصيري غير ثماني روايات ومجموعة قصصيّة واحدة ومجموعة شعريّة يتيمة سمّاها «لسعات» نشرها في القاهرة في عام 1931. أمّا أهمّ أعماله من وجهة نظرنا فهي: «بشر نسيهم الربّ» (1941)، و«شحّادون ونبلاء»(1955 )، و«العنف والسخرية» (1962).
وكان بإمكان أديبنا الكبير أن يكتب المزيد.. والمزيد من الأعمال الأدبيّة، لولا أنّه كان يكتب ببطء شديد وتؤدة ومراجعة وتمحيص وبلورة مستمرّة لما يكتبه.
أخبرني مرّة أنّه كان يقضي أحيانا شهورا عديدة ليكتب صفحتَين فقط. وكان في بعض الأحيان يُعيد كتابة السطر الواحد مرّات ومرّات. فالكتابة عنده عمليّة خلق وئيدة، والخلق ينبغي أن يكون دائما على أحسن وجه. وفي كلّ الأحوال لا تعني كثرة النّتاج الأدبي إبداعا؛ فعمل أدبي واحد يكفي أحيانا ليعكس الإبداع كلّه بالنسبة إلى مُنشئه.
وليس من التفصيل في شيء القول إنّ العمل السردي عند ألبير قصيري هو نسيج نفسه؛ فالرجل ظلّ على مدار تجربته الكتابيّة غير مكترث تماما بكلّ الموضات الأدبيّة التي تتقافز من حوالَيه. كما أنّ كِتاباته السرديّة كلّها تقع خارج التصنيف النقدي المُتداوَل: رواية كلاسيكيّة أو رواية جديدة، رواية الواقعيّة الجديدة أو رواية الواقعيّة السحريّة، رواية النصّ المضبَّب بالشعريّة أو رواية النصّ السريالي، الرواية الملحميّة أو الرواية المكثّفة، رواية الصوت الواحد أو رواية تعدُّد الأصوات في العمل الواحد، رواية النصّ المفتوح أو رواية المتاهة لذاتها… إلخ. فكلّ قارىء حصيف لسرديّاته، يجد ضالّته ومتعته فيها، كما يجد أسئلته الإبداعيّة أيضا. ومن هنا رأينا كاتبا كبيرا مثل الأميركي هنري ميللر يُترجم لألبير قصيري روايته الشهيرة: «بشر نَسيهم الربّ» إلى الإنجليزيّة في عام 1941. وقد كتبَ ميللر بعدها بخمس سنوات في باريس مقالة موسّعة عن العالَم الروائي لألبير قصيري يقول فيها إنّه ما عرفَ كاتبا مُعاصرا من قبل، سجّل فسيفساء حياة الهامشيّين والمنبوذين والمشرّدين مثل ألبير قصيري. لقد قدّم حزنا ساخرا داخل الحزن، وناشدَ «مخلوقاته الدنيا» في بعض رواياته قائلا: أرجوكم، «دعوني أموت عنكم». وخلص ميللر للقول إنّ صديقه ألبير قصيري تفوَّق بتسجيله الإبداعي الخاصّ ببشر قيعان المُدن على سائر تسجيلات كلٍّ من مكسيم جوركي ودستويفسكي في المضمار عَينه.

الخوف على باريس

في لقائي الأخير به في باريس سنة 1999، وكان يومها قد فقدَ النطق تماما، لجأتُ إلى محاورته، ولكنْ بالكتابة طبعا، هو الذي «كان يرتاح إليّ أكثر ممّا ينبغي»، على حدّ تعبيره بذلك أمامي أكثر من مرّة. وأتذكّر ممّا قاله لي وقتها، إنّه كان مستاء تماما من هذا التوحّد بين الانحطاط الثقافي والانحطاط المادّي في باريس المُتأمرِكة.. «نعم يا صاحبي، باريس باتت في عراء أمريكي بلا أفق اليوم، اللّهم إلّا أُفق نزْع ما تبقّى من هويّتها وشخصيّتها الثقافيّة المميّزة عبر التاريخ، ولو كان عمري يسمح لي بتركها لغادرتها على الفور».
وهل من حلّ يا صديقي ينقذ مدينتك العريقة.. بماذا تنصح مَن يشاطرك الخوف على باريس؟
سألته فأجاب بما خلاصته: التراجع الثقافي والفكري يصيب العالَم كلّه اليوم، وليس باريس وحدها. ولعلّ في هذا ما يعزّي النَّفس بعض الشيء، لكنْ لا يجوز الركون إلى هذا العزاء مطلقا. وللإجابة عن سؤالك، أقول إنّ الأمر يتطلّب قمّة ثقافيّة فرنسيّة من طراز رفيع، يُشارِك فيها، بالإضافة إلى النخب الفرنسيّة الجديّة، كلّ الغيارى على عاصمة الثقافة في العالَم.. باريس هي للجميع.. جميع المثقّفين في مختلف البلدان.
قد يكون المكان جغرافيا شعوريّة وثقافيّة قائمة بذاتها.. أليس كذلك؟
ثمّ مهلاً.. مهلاً يا سيّد ألبير، لماذا قلت لي قبل قليل إنّكَ كنتَ على استعداد لمُغادرة باريس المُتأمرِكة على الفور في ما لو كان عمرك يسمح بذلك؟
أطرق صديقي الراحل الكبير بعض الشيء، ثمّ رفع رأسه مُطلِقا عبارة ما زالت ترنّ في رأسي، إيقاعا وصورة، حتّى اللّحظة: «لن أكون مثل طائر يقف على منقاره».

• المقال ينشر بالاتفاق مع مؤسّسة
الفكر العربي