في تمثيلات الماضي والحاضر!

محمد جميل أحمد –

غالبًا ما تحل السرديات محل الحقائق في المتخيل المشترك للشعوب، لاسيما في المجتمعات المتخلفة، فيما يتعاطى الناس مع تلك التمثيلات، ويظنونها بالضرورة تمثُّلات (وفرق كبير بين التمثيل والتمثُّل) لحياة طالما تمنوا أن يعيشوا لحظتها التاريخية الفارقة، فيكون ذلك التمثيل تعويضًا مخدرًا وخصمًا على حياتهم في الحاضر المعيش!
السرديات لا تعدو أن تكون تصورات متبادلة عن جماعات مختلفة حيال بعضها البعض (بغض النظر عن مصداقية ما تعكسه تلك السرديات من معايير الدقة والخطأ والصواب)، كما يقرر إدغار موران؛ لكن خطورة تمثيلات سردية الماضي تكمن في رهن الحاضر للماضي، بحيث يبدو التعاطي اللازمني مع الماضي جزءًا من إعاقة حياة الحاضر!
البشر، يميلون، عادة، إلى أمثلة الماضي، وهذا الميل الفطري، إذا ما تمادى في سجيته فإنه سينعكس في حقل السرديات كماضٍ لا يمضي.
وفي هذه النقطة تحديدًا، توفر المجتمعات المتخلفة خزينًا لا متناهيًا للسرديات بوصفها أمثولات من شأنها إعاقة الحاضر، فيما هي تنشَدَّ مرَضيًا إلى الماضي!
وهنا يمكن لعلم التأويل أن ينهض بمهام إعادة الاعتبار للماضي، كماضٍ من خلال فرز الحقائق عن الأوهام في ذلك الماضي.

وهذه العملية -أي إعادة الماضي إلى الماضي وفك ارتباطه المرَضي بالحاضر لا تتم إلا بتأويل معرفي يتصل بذلك الماضي وفق منطق علم التأويل الذي لا مناص منه في أي محاولة لقراءة الماضي وتفكيكه!
وإذا كانت البديهة الواضحة، غالبًا ما تبدو كتعقيد في المجتمعات المتخلفة بحيث تصبح كما لو أنها عقدة مستعصية على الفهم، فإن الحقيقة هي أيضًا؛ أن حياة الفرد في الزمان والمكان المحددين، تعني وتقتضي بالضرورة ارتباطًا عضويًا وأصيلاً بظروف ومناخ وملابسات الزمان والمكان الذين عاش فيهما.
ولأن التخلف في صميمه شكل من أشكال «العجز عن التجريد»؛ لأن التجريد وحده هو الذي يعين على التمييز الموضوعي بين الأشياء، بحسب المفكر السوداني منصور خالد، فهذا يعني أنه في حال العجز عن الحكم الصحيح على البديهيات فإن كثيرًا من أحداث الماضي لا تحضر في حياتنا إلا بوصفها سرديات تستعيد حضورها لا بقوة التأويل الضروري، وإنما بقوة اشتغال سرديتها في حيز التقليد الجماعي للذاكرة.

إنَّ الماضي بوصفه حدثًا وقع، هو فقط ذلك الذي مضى، لكن استعادته كأمثولة، تظل قابلة لتمثيلات كثيرة متعددة الاتجاه والتأويل.
ومهما كانت شروط تمثُّله أو تمثيله، إلا أنه لا يكون كما كان في الماضي إلا في وهم من ظل غير قادرٍ على توصيف الماضي بمنطق علم التأويل!
لهذا ربما كان من الأهمية بمكان، أن يكون الانتباه إلى الحاضر بوصفه بديهية راهنة وحياة سائلة هو مركز التأويل لذلك الماضي.
ففي هذا الشرط التأويلي للحاضر فقط، يكون الماضي ماضيًا، وينعكس في الحاضر وفق تمثلات موضوعية أي بوصفه أمثولة!
إنَّ الانطلاق من نقطة الحاضر هي الهوية الآنية للفرد والمجتمع، لذا فإن الوعي بالحاضر واشتراطاته ستنعكس حتى على ذلك الماضي الذي يتم تأويله في شكل قدرة على الإمساك بالمصير والراهن؛ لأن وعي الحاضر هو في جوهره إضافة للماضي واستعادة تأويلية له بشروط العقلنة.
وعي الماضي لا يتم عبر التقليد المتبلِّد في الحاضر، فذلك سيكون بمثابة إعاقة للحاضر، بل عبر المعرفة التي هي انحياز جسور لاشتغالات الفكر في تدبير علاقات الحياة عبر أفعال إيجابية متصلة بقوانين العقلنة. هذا يعني أن حياة المجتمعات في وعي ماضيها جزء من الاشتغال على تدبَّر حاضرها في الوقت ذاته، بحيث لابد أن تنطلق من نقطة الوعي في الحاضر، لا نقطة التبلد الأعمى.
وهو ما يمكن أن نطلق عليه: خيار الحداثة، أي ذلك الخيار الذي يجعل من عقلنة الحاضر كُوَّة لرؤية الماضي بعيون الحاضر، وبالتالي قدرةٌ على الإمساك بالحاضر مع استلهام ذلك الماضي كأمثولة تعكس موضوعة الهوية بوصفها القاعدة التي لا يمكن إلا الانطلاق من قوانينها، فالسقوط في العدمية، هو تلك الوصفة التي لا تعرف ماضيًا ولا تهتدي بحاضر!