وتر : روح وجســـد

شريفة بنت عـــلي التــوبية  –

من الأفلام التي شاهدتها مؤخراً فيلم «عن الجسد والروح» للمخرجة المجرية إلديكو إينيدي، لم أبحث في التفاصيل أو درجة التقييم كما أفعل عادة، فأنا كنت مدفوعة بسحر العنوان وسحر المشهد الأول، (غزال وغزالة يسيران معاً في غابة مغطّاة بالثلوج ومحاطة بالأشجار الخضراء العملاقة)، ومع سير الأحداث يكتشف المشاهد أن ذلك ليس سوى حلم يحلم به الرجل المشلول اليد والذي يعمل مديراً في مسلخ للأبقار، يتم تعيين امرأة رئيسة بقسم الجودة في المسلخ، تعاني من التوحد وذات شخصية منعزلة، يشعران بانجذاب نحو بعضهما، رغم أنهما لم يلتقيا من قبل، تحدث جريمة داخل المسلخ ويتطلب التحقيق عمل دراسة نفسية لجميع العاملين لاكتشاف الجاني، وأثناء دراسة الحالة تسألهم الطبيبة النفسانية عن الأحلام التي يحلمونها، فتكتشف أن المرأة المنعزلة والمتوحدة تحلم نفس الأحلام التي يحلمها مدير المسلخ، روحان يتمثلان بذلك الشكل الآسر بكل تفاصيله، غزال وغزالة في الحلم، وحينما يقارنان أحلامهما يكتشفان إنهما يعيشان نفس المشاهد والمشاعر في الأحلام التي يحلمانها كل ليلة، ولكن حينما يقتربان من بعضهما جسدياً يتوقف الحلم.
قد يكون الفيلم مملاً لمن اعتاد المشاهد الصاخبة، فالحوارات مكثّفة إلى درجة إن بها مساحات كبيرة من الصمت، لكن فكرة الفيلم وتصوير روح الحالم في أن يكون غزالاً في الحلم يجعلك تتأكد كم هذا الإنسان ملوث بأفعاله أمام نقاء المخلوقات الأخرى التي ما زالت تعيش بجمال فطرتها، وإن حقيقة جمال الإنسان في روحه، ولكن غالباً ما ينسى الإنسان أمر الروح ليتعامل مع نفسه والآخر من خلال جسده وتلك الرغبات الزائلة التي تسكنه، ليكون فاسدا ومتوحشا وخائنا ومرتشيا، ويظهر مدى توحشه في ممارسة سلوكه الوحشي حتى على الحيوان من خلال طريقة الذبح ولون الدماء الحمراء التي تركّز عليها المخرجة في مشاهد عدّة، وحتى وهو يأكل الطعام بلا اشتهاء، بل لإشباع رغبات جسد جائع فقط، فيظهر مدى تشوهه وغربته، ليقضي أيام حياته بروتين ممل وشعور باهت وفارغ من المتعة واللذة الحقيقية، ضائعاً في متاهات الرغبات الجسدية التي تجعله تعيساً وغريباً حتى مع نفسه، ولأنه يخون نقاء روحه ويلوثها، تستمر معاناته فيظل يبحث عن حلم بعيد وسعادة ضائعة رغم كل ما يملك من أسباب ظاهرية لها، لكنه يسقط في قاع ملذاته الجسدية لعدم قدرته على العلو إلى مستوى نقاء الروح، فيبقى سجيناً لتلك الأشكال الاجتماعية المزيّفة، مصراً على الظهور بمظهره الجسدي الأنيق رغم ألمه الخفي.