هل لحظة اتخاذ القرار صناعة ذهنية أو ميكانيكية؟

أحمد بن سالم الفلاحي –

من هو المخول في اتخاذ القرار؟ سؤال طرحته على نفسي، قبل البدء في مناقشة فكرة هذا المقال، فالصورة جد غائمة، ليس لأنها تطرح لأول مرة للنقاش، فاتخاذ القرارات حالة معايشة منذ بدء الخليقة؛ كما أتوقع؛ فحياتنا مرهونة كلها باتخاذ قرار ما، ولأنه قرار، هنا يتمحور التساؤل، فبتحليل بسيط، يمكن القول: إنه ليس من اليسير لأن يتخذ أي واحد قرارا ما، ومن هنا يكتسب التساؤل المطروح أهميته: فمن هو المخول في اتخاذ القرار؟
يحق لأي واحد أن يقول: إننا معنيون بقراراتنا أكثر من غيرنا، وبالتالي فكل واحد له القدرة على اتخاذ القرار، ومع وجاهة هذا القول، إلا أن المسؤولية ليست في اتخاذ القرار فقط، ولكن فيما تؤول إليه النتائج بعد ذلك من اتخاذ قرار ما، وهنا؛ في تصوري؛ تأخذ المسألة بعدها المهم أكثر وأكثر.
فهناك أناس كثيرون يتخذون قراراتهم بكل بساطة، فهو في تقديره الشخصي مع نفسه، أنه حر، في اتخاذ قراره، ولكن هذه الحرية لن تبعده كثيرا عن مجموعة العوالق التقاطعية مع آخرين من حوله، قد يكونون أقرب الناس إليه، وعندما لا يصادف اتخاذ هذا القرار أو ذاك ذلك النجاح المتوقع، أو المرسوم له، عندها لن يكتوي بآثاره السيئة من يتنطع بالقول: إنه حر، وإنما تبقى للمسألة أبعاد سلبية على الآخرين من حوله، ولذلك هناك كثيرون عضوا أصابع الندم، لأنهم اتخذوا قراراهم بأنفسهم تحت ذريعة أنه حر، ولم تعطه هذه الحرية سلم الصعود لجني ثمار اتخاذه هذا القرار أو ذاك، وهنا «مربط الفرس».
ربما يقول البعض: إن هذا الأمر ينطبق على القرارات المصيرية، فالقرارات كما هو معروف تتفاوت في أهميتها، فهناك قرارات؛ حتى لو لم يوفق صاحبها فيها، فلن يكون لها تداعيات جانبية على آخرين من حوله، وبالتالي لا ترقى لأن تكون مصيرية، ولكن التقييم العملي لهذه الصورة يرى أن أي قرار لا بد أن يشكل نقطة تحول في حياة صاحبه، وإلا أوقع نفسه في مطب «الاستهبال» ونظر إليه بشيء من الاحتقار، لأن الحياة قائمة؛ وعينا ذلك أو لم نع؛ على توازن شديد الحساسية، وحالات الاستغفال الذي يمارسها البعض في مختلف شؤون حياتهم، ومنها اتخاذهم لقرارتهم، لا تعد سلوكا رشيدا، ينظر إليه بشيء من التقدير، وربما يعامل من تكون حالته هكذا على طول الخط، على أنه لا يزال لم يكمل رشده بعد، فكيف يكون الحال من بلغ من العمر عتيا، وهو لا يزال على نمطيته هذه؟!
ووفق ما طرح أعلاه يستلزم الأمر هنا أن يتحول صنع القرار من الحالة الفسيولوجية الى الحالة الميكانيكية، فالحالة الأولى هي متحققة عند كل كائن حي، حتى عند الكائنات غير العاقلة، والتي تتحرك من وحي الغريزة، وكثيرا ما ترى حيوانا سالكا طريقا ما، فإذا به يغير طريقه باتجاه آخر، وقد يعاندك أنت كإنسان في لحظة ما، وكثيرا ما شاهدنا حالة العصيان التي تمارسها الحيوانات في صالات السيرك؛ على سبيل المثال؛ قد ينظر إلى هذه المسألة على أنه وحي غريزي بامتياز، وأتفق مع هذا التقييم، ولكنه في النهاية قرار اتخذه هذا الحيوان في تلك اللحظة الصادمة؛ في بعض الأحيان؛ خاصة عندما ينقض على صاحبه فيلتهمه أمام ذلك العالم كله، أو يهاجمه؛ على أقل تقدير.
وبالتالي مرحلة التحول من الفسيولوجية الى الحالة الميكانيكية في صنع القرار، هي حالة تخص بالكائن العاقل، وهو الإنسان، والحالة الميكانيكية هنا تحتاج الى معززات مهمة يأتي في مقدمتها الخبرة، والعمر، والتجربة الإنسانية المتنوعة، والحصيلة المعرفية الشاملة، بالإضافة إلى مشاركة المخلصين الحقيقيين، وفي هذا الجانب على وجه الخصوص، وهو إشراك الآخرين في اتخاذ القرار، يجب على الفرد أن يكون على حذر كبير، فليس كل قريب؛ مهما كانت درجة قرابته يستحق أن يشرك في اتخاذ قرار ما، مهما كانت درجة أهمية هذا القرار، والواقع مليء بالقصص التي تبين هذه المثلبة في إشراك الآخرين في اتخاذ القرارات، حيث عاد من اتخذ قرار غير صائب، ولم يساعده من استشاره على توجيه مساره نحو الصواب، إلى عض أصابع الندم، وقد حدثت الفرقة والخصام، بدلا من التوافق والوئام، وهذه حالة بشرية بامتياز، وليست حالة استثنائية، فالبشر تحركهم تجاذباتهم النفسية ومصالحهم الخاصة فتحيلهم من الهم العام إلى الهم الخاص، بصورة فطرية، وبالتالي فكلما نأى الفرد بنفسه في اتخاذ قراراته؛ وفق حذر شديد؛ كلما سلم من مغبة الوقوع في مأزق العلاقات مع الآخرين وتجاذباتها الخاصة.
والارتهان على الخصوصية في نجاح اتخاذ القرارات، لا يمنع من الاستفادة من خبرات الأشخاص وتجاربهم في الحياة إلى اتخاذ القرار الرشيد الذي يعود بمصالح جمة، ودرجة الاستفادة هنا، ليس معناه إشراك الآخر في لحظة اتخاذ القرار، وإنما دراسة عوامل نجاح هؤلاء الناس في اتخاذ قرارتهم، وفق ما هو متاح، ودراستها بما يتوافق مع الظروف الخاصة بك كفرد لك خصوصيتك، ولك معززاتك، ولك وعيك وخبرتك، وتجاربك، ربما في بعض المواقف لا تكون عند الفرد فرصة لدراسة إيجابيات القرارات وسلبياتها، فالزمن محدد مهم في مثل هذه الظروف، ولكن أغلب القرارات، وخاصة المصيرية تكون هناك فرصة ممكنة من الوقت تتيح امتصاص مجموعة من الضغوط الجانبية المادية منها والمعنوية، فأي قرار قبل اتخاذه لا بد أن يواجه صاحبه مجموعة من الضغوط، وربما هنا يسقط قليلو الخبرة والمعرفة، وصغار السن في وحل هذه الضغوط، فلا يتحملونها، وبالتالي يسلمون أمرهم في اتخاذ القرار، وبالتالي فإذا لم يوافق ذلك ظروفا مساعدة تؤدي الى النجاح، يسقط اتخاذ هذا القرار في خندق الفشل.
توصف بعض القرارات بأنها «شجاعة» ومقصود بها من اتخذ قرار تنفيذها، فهي «بخصوص السبب لا بعموم اللفظ» لذلك يقال لك: هذا قرار شجاع، ويبني الآخرون حكمهم بشجاعية هذا القرار دون غيره بناء على أهمية الموضوع، وحيويته، ومصيريته، وفوق أنه غير مأمون العواقب، فقد تؤدي نتائجه الى هلاك صاحبه في بعض المواقف، ولذلك كثيرا ما نرى في المواقف الخطيرة كجرف السيول للبشر، أو اندلاع الحرائق في المساكن، أو وقوع نزاع ومصادمات عنيفة بين مجموعة من الناس في موقف ما، أو سقوط طفل في بئر، وغيرها من الأمثلة التي لا تتيح فرصا كثيرة للبحث والدراسة في اتخاذ قرار الإنقاذ، أو وقف المصادمات، فترى أناس في مثل هذه المواقف يتخذون قرارات؛ تعتبر شجاعة؛ لأن من اتخذها لا يأمن العودة عما كان عليه، فكل هذه المواقف هي في حقيقتها «حرائق» يجول فيها الموت في كل زواياها، ومن يخرج منها سالما، وكما يقال: «كتب له عمر ثان» ومن هنا يتوشح بصفة القرار بالشجاع والمصيري في آن واحد، وطبعا قليل فاعله، وهل يعي من يتخذ قرارا شجاعا أنه فعلا اتخذ قرارا شجاعا؟
في تلك اللحظات الحرجة من عمر اتخاذ القرار، لا أعتقد أن صاحبه يتموضع حول تقييم قراره إن كان شجاعا، أو غير شجاع، فهنا تتداخل عوامل نفسيه أخرى دافعة إلى تنفيذ الفعل دون التفكير في النتائج التي ستؤول إليه، ومن هنا يكتسب صفة الشجاعة، وإن قلل من أهميته البعض ووصفه بأنه قرار متهور، وهذا النوع من القرارات تبقى فردية اتخاذه ونتائجه، فلا يحتمل فيه صفة الجمع، لأن الزمن المتاح لاتخاذه قصير جدا.
وأطرح هنا سؤالا ختامية لهذه الفقرة: عندما يكون الطالب أمام ورقتي الامتحان والإجابة، هل هو أمام اتخاذ قرار مصيري؟
يقال أيضا أن هناك قرارات تطبخ على نار هادئة، ولذلك كثيرا ما يرتهن على نتائجها الإيجابية، وأغلبها القرارات الجماعية أكثر من الفردية، وهي التي لا تتخذ صفة الاستعجال، أو أنها تمر بمراحل عديدة، تشترك فيها لجان ودراسات، وتقارير، كل ذلك للوصول الى نتائج إيجابية لا يجادل عليها اثنان، ولعل المجالس النيابية هي من يسير على هذا النهج، والمؤسسات بشكل عام، وبالتالي متى حصل إخفاق ما بعد ذلك، فإن النتائج؛ يفترض؛ أن يتحملها جميع من شارك في صياغة القرار الذي مر بكل هذه القنوات.