قمة العشرين.. منبر للجدل أم للتوافق؟!

د. عبد العاطي محمد –

إن مجموعة العشرين تستطيع أن تغير الأحوال إذا تمكنت من بناء تحالف في داخلها لصالح التعاون متعدد الأطراف يناهض دعاة الشعبوية والعزلة والمواقف المنفردة، وهو ما ليس ببعيد ولكن حدوثه ليس بقريب!
ينعقد الاجتماع الرابع عشر لقمة العشرين وتستضيفه اليابان وسط ظروف إقليمية ودولية صعبة، نتيجة استمرار الخلافات الحادة بين الولايات المتحدة وعدد لا يستهان به من بقية الأعضاء حول البنود المعلنة للاجتماع وتشمل التحولات المناخية والاستثمار في البنية الأساسية والهيكلة المالية الدولية. ولم يترشح ما يفيد بأن القمة يمكن أن تتوصل إلى توافق في الرؤى واستعادة روح العمل الجماعي الدولي (هي منتدى كبير ولا تمثل هيئة عالمية تصدر قرارات)، بقدر ما أنها تتحول إلى ساحة من الجدل السياسي العقيم، بين من يأملون في علاقات تعاون متعدد الأطراف وبين دعاة الشعبوية والانكفاء على الذات والمواقف أحادية الجانب.
ولن يكون مفاجئا أن يحتل ملف الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران جانبا من المناقشات التي تمتد يومين 28و29 يونيو، لأن الملف شهد تطورا خطيرا في الأسابيع القليلة الأخيرة يتعلق بتهديد الملاحة الدولية في مياه الخليج بكل ما يرتبه ذلك من تداعيات سيئة على الاقتصاد العالمي.
ومن اللحظة الأولى أكد هذا التطور ما هو قائم فعلا من انقسام بين الكبار في قمة العشرين: الولايات المتحدة وحلفائها داخل المنطقة وخارجها وبين الدول المختلفة أصلا معها منذ وصول الرئيس ترامب إلى السلطة ومن أبرز هؤلاء الصين وروسيا وفرنسا.
فقد فضل هؤلاء التحفظ أو التريث في الحكم على التهديدات التي شهدتها الملاحة، ومن المسؤول عنها، وكيفية تجنب تكرارها، بينما في المقابل دفعت الولايات المتحدة في اتجاه التصعيد في العداء مع إيران سياسيا وأمنيا واقتصاديا (مزيد من التشدد في فرض العقوبات). وبالنتيجة فتح التطور الأخير في المواجهة بين واشنطن وطهران بابا جديدا من الخصومة الاقتصادية بين كبار مجموعة العشرين له تداعياته الآنية والمستقبلية.
وبالقراءة البسيطة للسياسات التي دأب عليها الرئيس ترامب، فإن إقحام الملف الإيراني بمستجداته على جدول أعمال قمة تجمع أكبر عشرين دولة صناعية في العالم (تمثل ثلثي التجارة في العالم وأكثر من 90%من الناتج العالمي الخام) من المفترض أن تركز جهودها لإصلاح الأخطاء الهيكلية في الاقتصاد العالمي، لا أن تنشغل بأزمة سياسية تخص دولتين أساسا لا العالم كله، وكان بينهما اتفاق ثم تم إلغاؤه من طرف واحد هو إدارة الرئيس ترامب..
إقحام ملف كهذا هو بقدر من التأمل شديد الصلة بالصراع القائم بين الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب وبين الدول الكبرى القائمة والصاعدة مثل الصين واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية والهند وجنوب إفريقيا والمكسيك. وليس صعبا إدراك أن معظم هذه الدول تعتمد اعتمادا شديدا على نفط الخليج، وكذلك تهتم بشدة بتجارتها غير النفطية مع الدول الخليجية، وشهدت السنوات الأخيرة انفتاحا كبيرا في العلاقات السياسية والاقتصادية بين هذه الأطراف، بل وصل التعاون إلى مجالات التسليح الذي كان حكرا تقريبا على الغرب. وليس سرا أيضا أن هذه الدول البارزة أقامت علاقات تعاون ومصالح اقتصادية مهمة مع إيران.
في قمة العشرين تستطيع إدارة ترامب أن تتحدث عن حرية الملاحة في المياه الدولية، ولن يعارضها أحد في ذلك، لأنه مطلب الجميع بمن فيهم إيران ذاتها التي لا يستساغ عقلا أنها تريد أن تضر بمصالحها إذا ما تعرضت الملاحة لخطر داهم، وهو أيضا من قواعد القانون الدولي التي لا تهاون فيها مهما تكن هناك من أزمات أو مواجهات مسلحة. ولكن عندما تربط إدارة ترامب بين مبدأ حرية الملاحة وخلافها المعروف مع إيران، فإن دولا كبرى في القمة لن تقبل هذا الربط، بمعنى أنها لن تقبل بتنفيذ ما تراه الولايات المتحدة ضرورة، دفاعا عن حرية الملاحة الدولية لسببين واضحين أولهما أن الملاحة لم تتعطل طوال السنوات الطويلة الماضية برغم احتدام الخلافات بين واشنطن وطهران، فلم يشهد العالم حوادث مشابهة لما وقع بين عامي 1984 و1988 خلال الحرب العراقية الإيرانية. وثانيهما أن الأزمة الإيرانية الأمريكية تظل أزمة ثنائية محضة ومن الصعب تدويلها كما يريد ترامب وفريقه.
والدليل أن العلاقات سارت على ما يرام بعد الاتفاق الذي وقعته إدارة أوباما وبمقتضاه أنهت هذه الإدارة العقوبات التي فرضت على طهران، والذي تغير هو وصول رئيس أمريكي لم يقتنع بهذا الاتفاق وألغاه، فما شأن بقية دول العالم بوضع كهذا حتى يمكن تدويل الموقف. ومع ذلك فإن خصوم الولايات المتحدة في عهد ترامب، بل وأيضا بعض من أصدقائها الغربيين، لم يقفوا متفرجين وإنما تحركوا للتوسط، ولكن جهودهم وصلت إلى طريق مسدود لأن هناك رئيسا في البيت الأبيض لا يقبل سوى باتفاق جديد تماما. وكانت زيارة رئيس وزراء اليابان شينزو آبى إلى طهران مؤخرا أحدث محاولات الوساطة، ولكنها باءت بالفشل أو أفشلت على ضوء الاعتداءات التي أصابت سفينتين في نفس توقيت الزيارة.
بهذا المعنى فإن ما تفهمه الدول الأخرى التي لا تزال تختلف مع إدارة ترامب حول قراءة التهديدات الأخيرة للملاحة في الخليج، هو أنها هي المقصودة بالتصعيد من جانب هذه الإدارة تجاه إيران. فكما سبق القول معظمها دول منافسة بقوة للاقتصاد الأمريكي أو ناشئة وصاعدة وتريد تعزيز إنجازاتها في التقنية الحديثة والاتصالات، وتعتمد بشدة على نفط الخليج، وعلى تجارتها معه أيضا، وأقامت فعلا علاقات تعاون ومصالح يصعب التراجع عنها من أجل مساندة واشنطن في أزمتها مع طهران. والرسالة التي تفهمها هي أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى إلى تضييق الخناق الاقتصادي عليها من بوابة تصعيد الأزمة مع طهران. والملفت في الأمر كله أنه برغم كل مشاهد التصعيد، قال ترامب إنهم غير مستعدين للتفاوض، ويقصد الإيرانيين، ونحن غير مستعدين الآن أيضا، مغلقا بذلك الباب الذي تركه مواربا، منذ انتهاء فترة السماح لبعض الدول، عندما أبلغ سويسرا برقم تليفونه لنقله إلى طهران في إشارة للاستعداد للتفاهم. فإذا كان الأمر كذلك، أي أنه ليست هناك حاجة للعجلة في تطويق الأزمة، فلا معنى لهذا سوى أن ترامب يديرها لخدمة استمراره في البيت الأبيض بعد أن قرر الترشح لفترة رئاسية ثانية. فهو أمام الجمهور الأمريكي يضغط بالعقوبات الاقتصادية ولا يريد حربا تكلف بلاده الكثير ماليا وبشريا، كما يواصل الضغط على منافسي بلاده لتحجيم صعودهم الاقتصادي ومن ثم العمل لصالح الاقتصاد الأمريكي.
في مثل هذه الأوضاع المعقدة لا يستطيع أحد الادعاء بأنه مستفيد منها بمن فيهم الكبار الذين يتصدرون مشهد قمة العشرين. الأخطاء واردة من أي طرف ولكن من الصعب توجيه الاتهام، والأصعب توقيع العقاب، لأن حالة السيولة الراهنة في النظام الدولي تسمح بالتصرفات المنفردة وتتيح خيارات عديدة للانتقام المتبادل، كما تسمح لكل طرف بأن يكون له أكثر من خطاب واحد يساعده في ذلك قدر لا بأس به من التضليل الإعلامي! إلا أنه في نهاية المطاف الكل خاسر بدرجات مختلفة تخضع لقدرته على امتصاص الصدمات والنأي بالنفس عن المخاطر.
هي بالإجمال حالة استنزاف للقدرات. وقد يبدو الموقف الأمريكي فائزا حتى الآن في قضايا الصراع الاقتصادي مع المنافسين والخصوم، وفي تفعيل سياسة القبضة الحديدية التي يستخدمها البيت الأبيض لإضفاء سمة النجاح على سياساته الخارجية. ولكن فوز مؤقت ومحفوف بالفشل إذا خسر ترامب معركته الانتخابية المقبلة. ومن المشكوك فيه أن يستطيع الحفاظ على سياساته لو قدر له الاستمرار لفترة ثانية، لأن الضغوط المضادة من خصوم الخارج تتزايد ولن يقوى على مقاومتها لسنوات قادمة.
إن مجموعة العشرين تستطيع أن تغير الأحوال إذا ما تمكنت من بناء تحالف في داخلها لصالح التعاون متعدد الأطراف يناهض دعاة الشعبوية والعزلة والمواقف المنفردة، وهو ما ليس ببعيد ولكن حدوثه ليس بقريب!