بايدن والطريق إلى الرئاسة الأمريكية

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

يوما تلو الآخر ومع اقتراب شهر نوفمبر القادم، تمضي الولايات المتحدة الأمريكية سريعا في طريق الاستعداد لانتخابات الرئاسة الأمريكية؛ بهدف اختيار الرئيس الجديد، للفترة من 2020 إلى 2024، والسؤال من سيكون أسد الديمقراطيين إذا جرت الانتخابات اليوم؟

قبل بضعة أيام أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية الأمريكية، أن نائب الرئيس الديمقراطي السابق جوزيف بادين يتقدم في استطلاع للرأي حول انتخابات 2020، ضمن خمسة مرشحين تقول نتائج الاستطلاع انهم سيهزمون الرئيس ترامب إذا أجريت الانتخابات اليوم.
يتفوق بايدن على ترامب بنسبة 49% مقابل 39 %، ويلي بايدن السيناتور اليساري الأمريكي «بيرني ساندرز».
يتقدم بايدن في واقع الأمر المنافسين الديمقراطيين الآخرين مثل السيناتور «اليزابيث وارين»، والسيناتور كاملا هاريس، والعمدة بيتر بوتيجيج، بنسبة 32%.
ولعل السؤال الأول والمهم: «ما الذي يبحث عنه الناخبون الديمقراطيون في الرئيس الأمريكي القادم؟»
يقول 72% من المصوتين المسجلين انه الشخص الذي يوفر «قيادة ثابتة وموثوقة»، ويذهب 25% إلى انه المرشح الذي يتمتع بأجندة جديدة وجريئة، و3 % لا معايير معينة لديهم.
شمل استطلاع الرأي 1001 ناخب مسجل على الصعيد الوطني، في الفترة ما بين 9 إلى 12 يونيو، عن طريق الهواتف الأرضية والهواتف المحمولة.
بدأت رحلة جون بايدن للترشح للرئاسة الأمريكية في 25 أبريل الماضي، حين أعلن عزمه الترشح لانتخابات الرئاسة الأمريكية 2020 وقد أطلق أول تحرك ميداني له في ولاية بنسلفانيا الواقعة شمال شرق الولايات المتحدة حيث ولد قبل 76 عاما.
ولعل أحد أهم الأسئلة التي تشغل بال وتفكير الأمريكيين هو ذاك المتعلق بالسن المتقدم لبايدن وهل يمكن أن يكون عائقا أمام رئاسة قوية أم العكس، بمعنى أن تكون خبرة بادين السابقة، يمكنها أن تدعم مسيرته الرئاسية أن قدر له الوصول إلى البيت الأبيض؟ الشاهد أن بايدن لو حالفه الحظ، لن يكون بدعا فقد دخل البيت الأبيض رؤساء أمريكيون آخرون كبار السن، نذكر من بينهم الرئيس الأمريكي رونالد ريجان وقد كان عمره 70 عاما، حين تم انتخابه العام 1981 كرئيس جمهوري للبلاد.
يحق للقارئ غير المتخصص في مجال السياسة الدولية، ومن غير المحيطين علما ومعرفة بالمشهد الأمريكي تحديدا التساؤل: «من هو جوزيف بايدن؟»
باختصار غير مخل انه نائب الرئيس السابق باراك أوباما، وقد نشأ في وسط عمالي وبخلفية كاثوليكية، وقد تولى من قبل رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وقد تنبأت وتنبهت وسائل الإعلام الأمريكية مبكرا جدا للدور الذي يمكن أن يلعبه بايدن في المستقبل، ففي العام 1974 تم اختياره ليكون من ضمن المائتين وجه من وجوه المستقبل التي سيكون لها شأن كبير من قبل صحيفة التاميز الأمريكية.
يتباهى بايدن بانه من أصول شعبية متواضعة، ولهذا يبدو دائم الالتحام مع العمال والطبقة العاملة من الحزب الديمقراطي، وفي تصريح له أمام موظفي متاجر كبرى مضربين قال بايدن: «إن مصرفيي وول ستريت والمديرين العامين لم يبنوا الولايات المتحدة، انتم من بناها… الناس العاديون من الطبقة الوسطى هم من فعلوا ذلك».
والشاهد أن هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها بايدن الدخول إلى البيت الأبيض، بل المرة الثالثة، وقد سبقها إخفاقان في انتخابات تمهيدية سابقة، غير أن حظوظه هذه المرة قد تكون افضل شكلا وموضوعا.
تأتي ترشحات الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذه المرة وسط أجواء قلقة ومضطربة بطريقة غير مسبوقة، سيما وان الأمريكيين حائرين من حول أنفسهم ولا يعرفون إلى أي طريق يتجهون، وأي خيار يفضلون.
لا نغالي أو نماري ان قلنا أن سنوات الرئيس ترامب الثلاث الماضية كانت محط أنظار علماء الاجتماع حول العالم، أولئك الذين يراقبون حال ومآل الأمريكيين، إذ يبدو النسيج الاجتماعي الأمريكي في حالة غير سوية، وها هي نوبات اليمين الأمريكي تتصاعد صيحاتها ودعواتها، بل الخطر الكبير يكمن في المواجهة التي تعود بالأمريكيين إلى عوالم التعصب العرقي والديني.
تأتي انتخابات الرئاسة الأمريكية والأمريكيين من اصل أفريقي باتوا هدفا لنيران العنصرية، وها هي كنائسهم عرضة لرصاص البعض من غلاة المتطرفين من اليمين الأمريكي، وبالقدر نفسه لم تعان أمريكا من مخاوف الإسلاموفوبيا كما تعاني الآن، أضف إلى ذلك ما بدا يطفو على السطح من جديد من مشاهد معاداة للسامية، فقد تم الاعتداء على العديد من كنس يهود أمريكا مباشرة، وارتفعت أصوات مثيرة للقلق، جعلت هؤلاء يسعون إلى البحث عن حراسات خاصة أمام معابدهم خوفا من الخطر الداهم القائم والقادم.
بدا بايدن الذي يتصدر قائمة مرشحي الانتخابات الرئاسية حملته بالدعوة إلى إنهاء الانقسامات الحادة، وموجها انتقادات لاذعة للرئيس دونالد ترامب، واصفا أيه بانه «رئيس إثارة الانقسامات».
يشارك بايدن منذ نحو شهرين تقريبا في مناسبات صغيرة في قاعات نقابية أو مطاعم بيتزا متواضعة في الولايات التي تصوت مبكرا مثل آيوا، لكنه يأمل في لفت الأنظار خلال تجمع في فيلادلفيا، اكبر مدن ولاية بنسلفانيا التي يكتسي الفوز فيها أهمية بالغة، بعد أن انتزعها ترامب من الديمقراطيين.
اتخذ بايدن من فيلادلفيا مقرا لحملته، ما يعطي دلالة إضافية على أهميتها لديه، حيث ولد وترعرع في بنسلفانيا ويشكل خطابه هناك عودة إلى جذوره المتواضعة.
يدافع بايدن عن الديمقراطيين في مواجهة الجمهوريين الذين يوجهون لهم سهام الاتهامات بانهم لا يريدون الوحدة وانهم غاضبون، وانه كلما كان الإنسان أكثر غضب كان ذلك افضل.
يذهب بايدن إلى انه لا يصدق مثل تلك الاتهامات غير العقلانية ولا المنطقية، ويؤكد انه سيخوض السباق الرئاسي لمنح الديمقراطيين والجمهوريين على السواء «مسارا مختلفا» نحو الوحدة.
وأمام حشد قدرته الجهة المنظمة بنحو ستة آلاف شخص قال بايدن «إن هذه الأمة تحتاج إلى الوحدة» ومضيفا «رئيسنا هو رئيس إثارة الانقسامات» وانه «إن كان الشعب الأمريكي يريد رئيسا يزيد من انقساماتنا، ويقود بقبضة محكمة وبيد غير ممدودة وبقلب متحجر يشيطن خصومه وينشر الحقد، فانه لا يحتاج إليّ، لديه حاليا رئيس يفعل ذلك تحديدا». كيف ينظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجوزيف بايدن؟
من الواضح للجميع أن الرئيس ساكن البيت الأبيض لا يحمل مشاعر طيبة لبايدن، وقد وصفه منذ فترة بانه «بادين النائم»، في إشارة إلى انه غير يقظ لما يدور من حوله سواء في الداخل الأمريكي او حول العالم.
وقبل أيام قليلة وصف ترامب بايدن، منافسه المحتمل في الانتخابات القادمة، بانه «غبي» و «خاسر»، في مفردات مثيرة يرفضها كثير من الأمريكيين لكنهم درجوا على سماعها من قبل ترامب، ولهذا لم يصدموا. في واشنطن العاصمة اعرب ترامب عن ترحيبه الشديد بخوض معركة انتخايه امام بايدن في 2020 قائلا: «اعتقد انه الأضعف ذهنيا»، وتابع: «المتقدمين الديمقراطيين الآخرين يتمتعون بطاقة اكبر بكثير منه».
لم يتوقف ترامب عند هذا الوصف بل ذهب إلى ان بايدن يبدو مختلفا عما كان عليه في السابق، بمعنى انه اصبح اكثر بطئا.
ولعل السؤال المثير للانتباه: «هل الديمقراطيون عن بكرة أبيهم يقفون صفا خلف بايدن ام انه من المبكر حسم المشهد سيما وان انتخابات الحزب الديمقراطي الداخلية سوف تجري في شهر فبراير 2020؟
يبدو الآن ومن خلال استطلاع فوكس نيوز الأخير أن بايدن قد تجاوز بيرني ساندرز بارقام كبيرة، لكن هل يكفي هذا من الآن وحتى تاريخ فبراير القادم إلى التفاف كافة الديمقراطيين من حوله؟
بايدن بالفعل أمام مواجهة قوية وقد تكون شرسة مع ساندرز، على الرغم من الزمالة التي جمعتهما نتيجة عقود من الزمالة في مجلس الشيوخ الأمريكي، غير أن المرشح اليساري وجه رسائل عدة بانه «جاهز للمعركة» مبديا اعتقاده بانه «ليس هناك أي شك من هو تقدمي اكثر»، مقارنة مع نائب الرئيس الذي وصف نفسه بانه «أوباما – بايدن الديمقراطي».
يعرف المراقبون للشان الأمريكي أن موسم الانتخابات الرئاسية يرتبط بإخراج الكثير من الملفات السرية من إدراجها، ولهذا تبقى كافة الاحتمالات قائمة ومفتوحة، بمعنى أن يبقى بايدن في المقدمة ويتم اختياره بشكل قطعي كمرشح للديمقراطيين في مواجهة ترامب، أو أن يتم اختيار مرشح آخر عوضا عنه، ولهذا يرى المراقبون للشأن الانتخابي الأمريكي انه لا شيء محسوم بالنسبة لبايدن، وان كان قربه من اوباما يقدم له دعما كبيرا من جانب الناخبين الأمريكيين من أصول إفريقية، والذين يعدون ولا شك فئة غاية في الأهمية في الانتخابات الرئاسية بوجه عام.
بايدن من ناحية أخرى يراهن وبدرجة كبيرة على من يطلق عليهم «أصحاب الياقات الزرقاء» أي الطبقة الأمريكية العاملة، أولئك الذين لعبوا دورا كبيرا في نجاحات الرئيس ترامب العام 2016، ومن هنا يفهم المرء دلالة الكلمات التي أوردها بايدن من أن: «أمريكا لم ترق إلى مستوى ما تعد به شعبها وذوي البشرة السمراء والنساء».
هل من نقاط قوة يمكنها أن تزخم مسيرة بايدن في طريقه للرئاسة؟
المؤكد انه بعد انتخاب الرئيس ترامب الملياردير الذي يمثل البرجوازية والرأسمالية الأمريكية في أسوأ صورها، قد يكون بحث الأمريكيين لا سيما الطبقات العاملة والكادحة مؤخرا عن رجل آخر من المساندين للطبقة العاملة مثل بايدن.
الأمر الآخر الذي يدعم مسيرته سيما اذا كانت المقاربة بينه وبين ترامب، وما يصب في مصلحته هو انه رجل صاحب خبرة سياسية ويأتي في توقيت يسكن فيه البيت الأبيض رئيس من خارج النخبة الأمريكية، ولا دلالة له على اختبارات السياسة الدولية، ولهذا يقول البعض انه يقود «هيمنة أمريكية جوفاء»، ومن غير أمل في ان تنصلح أحواله حتى وان فاز بولاية ثانية.
لكن يبقى على بايدن أن يقدم للامريكيين خطوطا عريضة للرعاية الصحية والأجور والهجرة وبقية الملفات السياسية الأمريكية الخارجية الملتهبة.
طريق بايدن طويل وهناك متسع من الوقت لتغير الأوضاع وتبدل الطباع.