تطور علاقات السعودية مع الصين وروسيا.. استراتيجية أم تكتيك؟

أنقرة- (الأناضول): منذ تولي العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز، ونجله محمد، مقاليد الحكم في السعودية مطلع عام 2015، شهدت العلاقات بين المملكة وكل من الصين وروسيا تطورًا متسارعًا، وصولا إلى كشف تقارير أمريكية مؤخرًا، عن تعاون عسكري غير مسبوق بين الرياض وبكين.
فقد كشفت شبكة «سي إن إن» الأمريكية، عن حصول البيت الأبيض على معلومات استخبارية، مفادها أن الرياض بدأت تسريع خطوات إنشاء برنامج للصواريخ البالستية بدعم من بكين، «بما يصطدم مع مساعي واشنطن خلال العقود الماضية للحد من الانتشار الصاروخي في المنطقة».
وأوضحت الشبكة في تقرير نشرته بتاريخ 5 يونيو الحالي أن المملكة وسّعت البنى الأساسية وطورت القدرات التكنولوجية المتعلقة بالصواريخ البالستية، من خلال صفقات كبيرة مع الصين، وأن المصادر الاستخبارية ربطت ذلك بمسار محاولة الرياض الحصول على قنبلة نووية. ويعد تقديم بكين الدعم في البنى الأساسية والقدرات التكنولوجية تطورًا كبيرًا في العلاقات الثنائية، إذ أن السعودية تعد زبونا للصواريخ البالستية الصينية، لا سيما منذ 2007، إلا أن الخطوة الحديثة تعكس توجها نحو نوع من «الشراكة»، بمدى يتجاوز بكثير عقود البيع والشراء.
يشار إلى أن الولايات المتحدة سبق أن فرضت عقوبات على مساعي الصين، تصدير قدرات إنتاج تلك الصواريخ إلى باكستان خلال التسعينات، إذ أن انتشارها يشكل حساسية ويحتل قدرًا كبيرًا من الاهتمام في السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما يعني أن الرياض تتجاوز بخطوتها هذه أحد «خطوط واشنطن الحمراء». في الواقع، لم يكن ذلك الأخطر بالنسبة إلى الولايات المتحدة في سياق التقارب السعودي- الصيني، إذ أن البلدين بدأ خلال السنوات الأخيرة الحديث بشكل جاد عن استخدام «اليوان» و«الريال» بدل «الدولار» في التعاملات التجارية بينهما (47.4 مليار دولار في 2017)، وهو ما يهدد مكانة العملة الأمريكية على الساحة الدولية.
فضلا عن ذلك، كان الملك سلمان أول عاهل سعودي يجري زيارة رسمية إلى الصين، وذلك في مارس 2017، حيث وقّع الجانبان اتفاقيات بأكثر من 65 مليار دولار، بينها إنشاء مصنع صيني للطائرات العسكرية من دون طيار في المملكة، وهو ما جاء بعد رفض واشنطن تقديم هذه التكنولوجيا للرياض، بحسب ما أشارت «واشنطن بوست» مطلع العام الحالي.
وبعد بكين، أجرى الملك سلمان زيارة «تاريخية» أخرى، هذه المرة إلى موسكو، في أكتوبر من العام نفسه، رغم المواجهة غير المباشرة بين البلدين في سوريا، والصراع على أسواق النفط، فضلا عن العداء إبان الحرب الباردة، لا سيما في مرحلة حرب أفغانستان (1979ـ 1989)، التي دعمت فيها المملكة «المجاهدين» ضد الاتحاد السوفييتي السابق.
وفي موسكو، وقّع البلدان عدة اتفاقيات، كان للتسليح نصيب الأسد منها، بأكثر من 3 مليارات دولار، وبدأ فيها بوضوح تركيز السعودية على توطين التكنولوجيا الدفاعية الروسية، والحصول على منظومة «إس 400» الدفاعية، وهي ذاتها التي ترفض واشنطن «بعنف» حصول تركيا عليها.
كما بدأ البلدان أيضا التنسيق عن قرب لضبط أسعار النفط في الأسواق العالمية عند مستويات مرتفعة، وهو لا يزال مستمرًا رغم مطالبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض الأسعار، ومهاجمته المستمرة لدور منظمة «أوبك»، التي تحظى الرياض بنفوذ كبير فيها.
تثير تلك التطورات العديد من التساؤلات حول الخلفيات والمآلات، لا سيما في ضوء «الشراكة الاستراتيجية» التي تجمع السعودية والولايات المتحدة، ومساعي المملكة الحثيثة في السنوات الأخير لتوطيدها.
ورغم أن الولايات المتحدة ليست أكبر مستوردي النفط السعودي، مصدر الثروة الأساسي للسعودية إلا أنها تعد الضامن لوصوله الأسواق العالمية، فضلا عن موقع واشنطن الأساسي في معادلة الأمن القومي للمملكة، الذي ظهر في العديد من الأحداث الساخنة خلال العقود الماضية.
بل إن تلك الشراكة اتخذت شكل التحالف الاستراتيجي إبان الحرب الباردة، حيث عملت الرياض بشكل مباشر مع واشنطن ضد نفوذ موسكو في المنطقة، ويعود الحديث اليوم إلى إعادة إنتاج ذلك التحالف في سياق مواجهة إيران. أكثر من ذلك، فقد أشارت عدة تقارير، تحديدا بعد تسمية محمد بن سلمان وليا للعهد منتصف 2017، أن تولي الأخير العرش خلفا لأبيه وأنه يسعى إلى ضمان الدعم الأمريكي في مواجهة منافسيه.
بموجب تلك الحسابات، فإن العلاقات بين الجانبين يفترض أن تكون حاليا في أوجها، فضلا عن عدم استعداد الرياض للتفريط بها بحال من الأحوال، وهو ما يضع جميع خطوات تقارب الأخيرة مع بكين وموسكو في خانة «التكتيك»، أكثر من كونها توجها استراتيجيا، على أهمية تلك «الخطوات».

ثقة غير كاملة؟
رغم العلاقات القوية التي تجمع حكومات دول الخليج والولايات المتحدة، لا سيما مع إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، إلا أن واشنطن تلوّح بالعديد من أوراق ابتزاز المملكة.
فقد ظهرت عام 2009 أولى مؤشرات تهديد الولايات المتحدة بالربط بين السعودية والإرهاب، وصولا إلى تمرير قانون «جاستا» (العدالة ضد الإرهاب)، الذي يتيح لضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 مقاضاة المملكة، والذي دعمه جميع أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس.
وعام 2015، توصلت واشنطن إلى اتفاق نووي مع طهران، أنهت بموجبه عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، في أوج مساعي الأخيرة لتوسيع نفوذها في المنطقة، بما يهدد مصالح الرياض. وبالفعل، برر ترامب تجاهله تلك القضايا بالقول: إن واشنطن غير معنية بإفساد علاقاتها مع الرياض، في ظل التوترات المتجددة مع طهران، والخشية من خسارة استثمارات المملكة وصفقاتها لمصلحة الغريمتين: روسيا والصين. بكلمات أخرى، فإن الرياض تلوح بالتوجه شرقا للحفاظ على اهتمام الغرب بالتحالف معها، إلا أنها عملية دقيقة قد تأتي بنتائج غير متوقعة جراء أي خطأ في الحسابات، لا سيما وأن الولايات المتحدة غير مهتمة كثيرا بالنفط السعودي، بعكس ما كان عليه الحال في سبعينيات القرن الماضي، وقد يأتي يوم تعيد فيه واشنطن وطهران التوصل إلى «اتفاق نووي» جديد.
وكما هو الحال مع «تبرير» ترامب، فإن التلويح السعودي موجّه للكونجرس الأمريكي والحزب الديمقراطي بالدرجة الأولى، أكثر من كونه موجها لإدارة البيت الأبيض الحالية.
ومع استمرار المملكة في رفض اتخاذ أي خطوة لاحتواء إيران، فضلا عن أي طرف يخالف أيا من توجهاتها أو سياساتها في المنطقة، فإنها تواصل التعويل على دور الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس في المقابل بتعميق تحكم الأخيرة بمصير دول المنطقة، بمن فيها السعودية نفسها. ورغم تلك «الثقة غير الكاملة»، لا تزال السياسات السعودية مرتبطة «مصيريا» بالتوجهات الأمريكية، فيما تتطلب حماية مصالح السعودية على المدى البعيد تنويع الخيارات والشراكات بشكل حقيقي، يتجاوز «التكتيك» إلى «الاستراتيجية»، ومن المنطقي أن يكون أبرز ملامحها البدء بدول الإقليم، فضلا عن جميع القوى الفاعلة على الساحة الدولية.