ذات: شماعة القدر

لمى دعدوش –

تطرأ الكثير من الأحداث والمواقف في حياتنا وتأتي حسب رغبتنا تارة ًوخلافها تارةً أخرى، و هنا يلجأ المرء إلى تفسيراتٍ وتبريرات ٍلما حصل تريح صدره وتهدئ روعه، ونجد السلوى في الإيمان بالقدر خيره وشره، مما يوطد الإيمان بالله تعالى في القلب.
ولكن، قد تغلبنا أنفسنا هنا وتأخذنا على حين غِرة حين تجعلنا نتنصل من مسؤولية أخطائنا وأسبابها ونتائجها، ونلجأ إلى فكرة مريحة تريح الضمير وتهدئ النفس برميها في دائرة القدر ومغيباته في محاولة ذكية بوعي ٍمنّا أو دون وعي للهروب بوضع الأمر في كفة أخرى لا لوم علينا فيها، سيّما عندما ترافقنا هنا مشاعر الضحية (الوهمية) طبعاً ونبدأ كمن كذب الكذبة وكان أول من صدّقها، وتدعم الموضوع كله عبارات ومفردات إيمانية مثل (كله بقدر الله/‏ قدّر الله وما شاء فعل/‏ لو قدِّر لي لحصل) وهذا مما يعرض باستعمال المعاني في غير أماكنها (مع أنها صحيحة) ولكن..
هل اطلعت َعلى الغيب وعلمت ما قُدّر لك مسبقا أم تأكدت أن الله تعالى قد ألبسك هذا القدر دون أي عمل ٍمنك تجاهه؟ هل واجهت نفسك مرةً بشجاعة قلب وسألت لم حدث لي كذا وكذا؟ ماذا لو نظرنا للأمر من ناحية ٍتظهر لنا بواطن الأحداث ومسبباتها ونتائجها بتفكير حيادي نقدي تحليلي بعيد عن العواطف والشخصنة؟ ماذا لو دققنا قليلا في أفكارنا وسلوكياتنا وأبعادها في حياتنا.
لو نظرنا كيف هاجر الحبيب المصطفى من مكة إلى المدينة سرا وفي ليل واتخذ معه رفيقا ودليلا يدله الطريق، حيث غيّر الطريق المعتاد والتمس آخر مخالفا ً للتمويه ومظنة الأمان فيه، ووضع عليّا في سريره وأعهده أماناتهم ليؤديها في غيابه. هي مجريات وتكتيكات سلكها في سبيل أمان هجرته والوصول لهدفه، ثم بعد ذلك قال للصديق في الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ في أعلى معاني الإيمان والتسليم بعد ما فعل كل ما بوسعه ويُتطلب منه لأداء مهمته.
هل رأيت تساهلا أو إبطاء أو تواكلاً؟ هل رأيت صبرا ًواهيا وشكوى في مكانٍ يستلزم حكمةً وقوة؟ آن الأوان أن نضع الإيمان الحقيقي ومسمياته في مكانهم الحقيقي و أن لا نلبس أخطاءنا شماعة القدر. من لم تهتم بتربية أبنائها وفوجئت بالعقوق تشعر بالضحية وتقول هذا قدر الله (شماعة القدر)، ومن لم يراع ِ الله في نفسه وخلواته يفاجأ بأمراض نفسية وجسدية أقلها أسرة مفككة هزيلة وآخرها مرض عضال يودي بحياته ثم يقول قدر الله، من أطلق بصره في الحرام فلم تعد تعجبه زوجته ثم يقول هذه قدري وهو لا يطيق العيش معها (شماعة القدر)، ومن أسلم نفسه لوساوس الفكر والضعف والعجز ولم يصل لهدف وغاية طمح لها في الماضي ثم يقول لو قدّرت لي لحصلت (شماعة القدر).
لم تنصلت من مسؤولية فكرك العاجز الذي أوداك هنا؟ أين سعيك؟ ويدور الناس في دائرة القدر وشماعة القدر اللطيفة على النفس والمريحة للضمير الحزين ليأخذ جرعة مخدر يخدره عن التفكير المنقذ (ماذا عليّ الآن أن أفعل؟)
فلنرحم أنفسنا ولنبرأ أقدارنا من تهمة تقصيرنا وجهلنا و لنضع كل مسمى في مكانه، فالشجاعة كل الشجاعة أن تنظر بعين بصيرة.