رماد: الراحلون الأحياء

عبدالله المعمري –
shinas1@hotmail.com –

أن تصحبهم زمنا ثم يرحلون، وهم لا يزالون باقون على قيد الحياة ليس بالأمر الهَيّن على النفس، ولكن هذا ما يحدث في زماننا. فالراحلون الأحياء كثر في مسيرة حياتنا ونمائها على مر الزمان الذي نعيشه منذ الطفولة إلى الممات.
ومما تتعجب منه النفس هو أن نتذكر هؤلاء الراحلين، ونرسم لهم صورا من الخيال عما هم عليه لحظة التذكر تلك، وماذا يفعلون، وكيف هي هيئتهم، وابتسامتهم، وتغير شكلهم أو ملامحهم، وحتى طريقة كلامهم ونبرة صوتهم التي عرفناهم بها. كأن يكونوا خلف مكاتبهم على العمل، يشربون الشاي بعد إنجازهم لعمل أو إتمامهم له، أو أن يكونوا واقفين عند إشارات المرور المضيئة باللون الأحمر وهم يفكرون ماذا سيفعلون عند وصولهم لوجهتهم، أو نتذكرهم وهم أمام المرآة يرتبون شعرهم، أو ينظرون إلى تقاسيم وجههم وماذا طرأ عليها من تغير، أو أن يكونوا يناظرون الساعة في ترقب لموعد رحلتهم في المطار، أو ربما يكونوا في لحظة التذكر تلك يضحكون مع عائلتهم أو أصدقائهم الجدد ويتبادلون معا تفاصيل يومهم وما حدث لهم فيه.
صور شتى لأولئك الأحياء الراحلين عنا، مهما حاولنا أن نسردها فلن نحصيها، ذلك أنها تشبه إلى حد كبير تفاصيل حياتنا اليومية، فما تلك الصور التي ترسمها الذاكرة لهم سوى انعكاس عن مدى وجودهم فينا، وسكنهم في أعماقنا، بل ومستوى محبتنا لهم، وكيف كانت صحبتنا لهم تعنى لنا الكثير.
حفظ الله الراحلين الأحياء أينما كانوا على خط الزمن، وفي أي بقعة من أرض الله الواسعة، وجعل قلوبهم نابضة بالخير دائما، فهم وإن رحلوا عن قلوبنا وأنظار أعيننا، إلا أنهم باقون أحياء فيها دائما عبر مرّ السنين.