ذكرياته لا تنسى وتحسن مزاجنا – الحنين للماضي مفيد للتعامل مع الحاضر والمستقبل

كتبت- رحاب الهندي –

أغلب الناس حين يجتمعون ويتجاذبون أطراف الحديث يجدون أنفسهم في وقفه مع ماضيهم ويبدأ كل منهم بسرد بعض من حكايا الماضي بشغف، ورغم كل القسوة وضنك العيش والتعب نجد البعض يقول كم كان الماضي جميلا. ونتساءل ما الذي جعل من الماضي جميلا الآن؟ هل هو الخوف من زحف العمر أم تعقيدات الحياة المعاصرة؟ لنكتشف إجابات متعددة كان لابد أن نلتقي مع البعض ونسطر لكم أقوالهم
إشارت منى الزدجالية (ربة بيت) قائلة: البساطة رمز الماضي وهي سر جماله، على الرغم من أن حياة الماضي كانت مليئة بالصعوبات، فما زلت أحن لبيت العائلة القديم البسيط الذي كان يجمع الجدين، أيضا كانت هناك طمـأنينة نفتقد بعضها اليوم، ووجود اختلاف في معظم الأشياء التي نمتلكها، وما زلت أحتفظ بلعبتي القماش إلى هذا اليوم، بينما أولادي وأحفادي يحطمون ألعابهم التي اختلفت، وكل همهم تلك الألعاب التي توحدهم مع هواتفهم الخلوية، وقلما يلعبون بشكل مشترك.
كما يشدني الماضي إلى حكايا الجدة المليئة بالخرافات والعفاريت والبطولة، حكايا يكون لك فيها نصيب رغم أنك مستمع فقط، وأيضا سهرنا بالليل أمام البيوت مع كل الجيران، وألعاب البنات المشتركة، حنين لكل هذا يصعب وصفه.
أما الآن فكل شيء اختلاف، الأبواب شبه مغلقة، والزيارات معظمها بموعد، الكل ملتهٍ بلقمة العيش التي تغيرت هي الأخرى، فلم تعد ببساطة الماضي. لذا كلما أخلو لنفسي أتذكر كل أيامي السابقة وأجد بها جمالا خاصا أكثر بكثير من جمال هذه الأيام، رغم أننا في راحة جسدية أكثر.

النوستالجيا

محمد الخنشي (مدير مالي) قال: إذن تتحدثين عن «النوستالجيا»، وهي حالة عاطفية نصنعها نحن في إطارٍ معين وفي أوقات وأماكن معينة، أو يمكن وصفها بأنها عملية يتم فيها استرجاع مشاعر عابرة ولحظات سعيدة من الذاكرة وطرد جميع اللحظات السلبية، وهذه طبعا من الإيجابيات. لكن لو عشنا تلك اللحظات القديمة متحسرين على ذهابها بسبب الوحدة والحنين إلى بعض الأشياء أو الأشخاص، فهنا تكون السلبية.
شخصيا قرأت الكثير عن النوستالجيا وأجدها حالة طبيعية للناس، رغم تأكيد الخبراء بأنها آلية دفاع يستخدمها العقل للهروب من واقع سيئ لتحسين المزاج، فالنوستالجيا هي مورد نفسي يهبط فيه الناس ليستعيدوا حياتهم ويشعروا بقيمتهم، وهي من السبل الناجحة في صد الاكتئاب «وقتياً»، فتشعر بأن حياتك البائسة كانت ذات قيمةٍ «يوماً ما»، وهناك مقولة لأحد الفلاسفه لا أذكر اسمه يقول: « لو أن ما فعلته بالأمس يبدو عظيماً، فهذا يعني أنك لم تفعل شيئاً اليوم».
سعيد الوهيبي (طالب جامعي) يقول مبتسما: بعد أن أتحدث إليك في هذا الموضوع سيكون حديثنا جزء من ماضي انتهى، ولست من أنصار التوقف عند الماضي، لأني شخصيا أعتبر الماضي شيئا انتهى، ولا يمكن أن يعود سوى بالذكريات بفرعيها السيئة والمفرحة، فلم نشغل بالنا بماض لن يعود، ولم لا يكون اهتمامنا لغد نرجو أن يكون أفضل! والغد أيضا هو سيكون جزء من ماض. و أحب أن أقول إن هناك خطر وراء النوستالجيا يكمن عندما نتوقف عندها ونتحسر، فننظر للماضي بشكل أكثر جمالا بدلا من الاهتمام باليوم والغد وهما الأهم.

ذكرى وليس عبئا

سهيله المعينية (طالبة جامعية): علينا أن نعترف أن في الماضي أياما مضت بحلوها ومرارتها، وعلينا أن نعتبرها مجرد ذكريات نتعلم منها ما نتجنبه من أخطاء ونركز على الإيجابيات، فليس من المعقول أن نتمسك بماض لا يعود، لأننا بذلك نفقد التعامل مع الحاضر ونهدم المستقبل، وهنا أقصد البعض اللذين يتمسكون بماضيهم بدلا من أن يعيشوا حاضرهم ويهتمون للمستقبل.
جميل أن نتذكر الماضي، ولكن ليس من المستحب أن نعيش فيه، فإحدى قريباتي بعد أن تزوج كل أبنائها تتحدث عن الماضي وكأنها تعيش فيه، فهي دوما تقول: أولادي حينما كانوا أطفالا، وتسرد قصص دخولهم المدرسة وامتحاناتهم وكيف كانوا حولها معظم اليوم، وكأنها لا تريد أن تصدق أنهم يعيشون أياما جديدة ولهم حياتهم الجديدة ولديهم مستقبل عليهم ان يزرعوا لأجله، كثيرا ما تحدثت معها أن أيامنا التي نعيشها كلها ماض، لكن لنا أيضا يومنا الحاضر والمستقبل، وأقول لها لقد غرست شجرة وأنت اليوم تنامين بظلها، وانتهى ماضي أولادك جميعهم حين وصلوا لحاضرهم وأمامهم مستقبلهم، فكوني معهم في الحاضر وانصحيهم للمستقبل، الماضي يجب أن يكون مجرد ذكرى لا عبء على أحد.

حنين

ويوضح هلال الخروصي (مدرس) رأيه قائلا: لولا الماضي ما كان اليوم، ولولا اليوم لن يكون المستقبل. شخصيا أقتنع بأن كل جزء من حياتنا يحمل على جناحية السعادة والتعاسة والفرح والحزن والأمل واليأس، فنحن بشر وعلينا أن نعترف بأن هناك أيام لنا وأيام علينا، سواء في الماضي أو الحاضر أو حتى المستقبل.

في الماضي كنا أطفالا نحلم بأن نكبر، وكبرنا لنعيش الحاضر ونحلم بمستقبل أجمل من أجلنا وأجل أولادنا، و ليس عيبا أن نتذكر الماضي ففيه بلا شك حنين لأشياء نحبها ونفتقدها، لكن ليس من الضروري أن نبقى متوقفين عندها، فلنا اليوم وهج خاص وخطط خاصة من أجل مستقبل يتزين بالأمل، هذا التدرج يتبعه كل إنسان واثق من نفسه ويعيش حياته بشكل طبيعي، أما اللذين يحبسون أنفسهم في الماضي فهم يرتكبون خطأ في حق أنفسهم ومن حولهم، وأرجو أن نعش الحاضر بذكرى الماضي وأمل المستقبل.