سوق النفط بين اختلالات السوق وعواصف السياسة

د. صلاح أبونار –

في العاشر من يونيو حذر الكساندر نوفاك وزير الطاقة الروسي، أنه إذا لم تتفق دول الأوبك في مؤتمر فينا القادم 25 – 26 يونيو على مواصلة الالتزام بقرار تخفيض الإنتاج، فإن سوق النفط العالمي قد يشهد انخفاضاً حاداً يصل بالسعر إلى 30 دولارا عند نهاية العام.

وكان هذا التصريح تعبيراً عن مخاوف انتشرت خلال الربع الثاني من 2019، وتبدي تأثيرها في محاولة «لجنة الرقابة الوزارية المشتركة» المجتمعة في جدة 28 مايو، تأجيل موعد مؤتمر فيينا إلى 3-4 يوليو ضمانا لأكبر قدر من الإجماع الداخلي.
والواقع أن تلك التوقعات والمخاوف التي أفرزتها لم تظهر وتمارس تأثيرها إلا في الأسابيع القليلة السابقة على اجتماع جدة، وقبل ذلك كانت وكالة الطاقة الدولية تتوقع نقصا حادا في العرض النفطي خلال الربع الثاني من العام سيدفع بالأسعار عاليا عند نهاية العام. وتوقع بعض المحللين تخطي سعر البرميل لحاجز المائة دولار خلال 2020. وكانت الأوبك نفسها تبحث داخليا إمكانية الخروج عن القيود المفروضة على الإنتاج، بفعل ما رصدته من احتمالات مواجهة السوق لنقص حاد في العرض. كما كانت حركة الأسعار ترجح صحه هذه التوقعات. في 16 نوفمبر 2018 حقق سعر برميل خام برنت 65,29 دولار، وانخفض في 3 يناير 2019 إلى 53,23 دولار، ليرتفع في 1 فبراير إلى 61,86 دولار، ليصل في 9 أبريل إلى 71,02 دولار.
ووجدت التوقعات السابقة ما يدعمها في معدلات نمو الأسعار على مدى السنوات الأربع السابقة، الممتدة من انهيار أسعار النفط في أواخر 2014. وصل متوسط سعر برميل خام برنت في 2014 إلى 98,89 دولار، وفي العام التالي انهار السعر إلي 52,32 وواصل التراجع إلي 43,74 في 2016. وفي 2017 بدأت مسيرة تعافي الأسعار ليصل متوسط سعر البرميل 54,15، ليقفز في 2018 إلي 71,19 دولار للبرميل.
وهنا سنجد أنفسنا أمام السؤال المنطقي: ما الذي حدث في سوق النفط لكي يطلق بدايات مسيرة عكسية تحمل معها نذر التصاعد؟
في البداية يجب أن نلاحظ أن بدايات تلك المسيرة العكسية والمألوفة تماما في التاريخ النفطي، سنجدها حاضرة بوضوح في تطورات الأسعار على امتداد عام 2018 . يلاحظ على تلك التطورات توالي منحنيات الصعود والهبوط. في 26 يناير وصل سعر خام برنت إلى 70,52 دولار، وبعد ذلك أخذ في الانخفاض ليصل في 12 فبراير إلى 62,59 . ثم دخل في دورة صعود ليصل في 22 مايو إلى 79,57 دولار، ومن هذا التاريخ يأخذ في الانخفاض ليصل إلى 71,43 في 3 أكتوبر.
ومن التاريخ السابق اندفع لأعلى ليحقق 86,29 دولار في 30 أكتوبر، ليدخل دورة انخفاض انتهت به إلى69,1 في 12 نوفمبر. ويعيدنا ما سبق إلى السؤال الأصلي: ما الذي حدث في سوق النفط ليطلق بدايات مسيرة عكسية تنذر بمعدلات انخفاض يرى مراقبون كثيرون أنها قد تكون أكثر حدة وأطول عمرا؟
ينبغي أن نمهد بشرح الإطار التحليلي الذي يجب استخدامه في تحليل تغيرات سوق النفط. في أي سلعة تمارس قوي العرض والطلب دورها عبر توسط الحسابات البشرية، لكن في حالة النفط ومن واقع مركزية وخصوصية وضعه في البناء الاقتصادي، تلعب المخاوف والهواجس والافتراضات والتوقعات دورا يفوق في أحيان كثيرة، الوزن الاقتصادي المباشر والحقيقي لقوى العرض والطلب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس النفط مجرد سلعة اقتصادية، وبطبيعته ذاتها يشكل موردا أساسيا من موارد قوة الدولة، وجزءا من الاستراتيجيات الإقليمية والدولية، وأحد مداخل إدارة الأمن القومي والنظامين الإقليمي والدولي.
وانطلاقا من التحليل السابق يمكننا رصد عدة عناصر وسياقات ساهمت في تشكيل منحنى الأسعار الجديد.
أول هذه العناصر يتعلق بحجم العرض النفطي من جانب الأوبك والقوى الحليفة. على امتداد 2018 عقدت دول الأوبك في فيينا مؤتمرين لوزراء نفطها: الأول في 22 – 23 يونيو والثاني في 6 – 7 ديسمبر. وكانت أهم مقررات مؤتمر يونيو أنه بشكل غير رسمي، وفي سياق ضغوط سياسية حادة من داخل الأوبك وخارجها، قرر زيادة حصة إنتاج الدول الأعضاء بمقدار مليون برميل يوميا. والواقع إن قراءة البيان يثير الدهشة، وغالبا لا يمكن فهمه إلا من خلال التعليقات والتحليلات، وغاية ما نفهمه أنه لم يرفع رسميا حصة الإنتاج الكلي بل شدد على ضرورة احترام ما دعاه بنسب الالتزام، لكنه في المقابل سمح عمليا لدول معينة بتخطي النسب المسموحة بها وفقا لمقررات المؤتمر السابق. وكانت الحجة أن نسب الالتزام التي حددها المؤتمر السابق، قللت من حجم العرض ودفعت بالتالي لارتفاع الأسعار. وحدث ما كان متوقعا فازداد العرض النفطي وأخذت الأسعار تنخفض، حتى وصلت في منتصف نوفمبر إلى 65,29 دولار، وفي 3 يناير إلى 53,23 دولار، وأصبح واضحا أنها ستواصل الانخفاض. وجاء مؤتمر ديسمبر ليواجه تداعيات قرارات يونيو، وهكذا قرر تخفيض الإنتاج 1,2 مليون برميل يوميا، تتحمل دول الأوبك منها 800,000 وروسيا 400,000. وكانت النتيجة دخول الأسعار منحنى ارتفاع، فقفزت من 53,23 دولار في 3 يناير 2019، إلى 61,86 في أول فبراير ثم 71,02 في 9 أبريل. ولكن في مايو ويونيو بدا من الواضح أنها دخلت منحنى هبوط جديد، وكان هذا المنحنى الذي لم يتوقعه أحد هو الذي أطلق جرس الإنذار.
وثاني هذه العناصر تأثير توقعات النمو الاقتصادي العالمي. في يناير 2019 أعلن صندوق النقد الدولي تخفيضه لتوقعات النمو العالمي المعلنة في أكتوبر 2018، ووفقا للتقديرات الجديدة أصبحت نسبة النمو المتوقع 3,5%، أي أقل من تقدير أكتوبر 0,02%. ثم اضطر في أبريل 2019 إلى تخفيض توقعاته من جديد إلى 3,3%، وخفض أيضا توقعاته لنمو التجارة العالمية إلى 3,4% بدلا من تقديرها السابق 4%. وفي معرض تفسير هذا التخفيض أشارت كريستين لاجارد إلى دور الحرب التجارية الجارية بين أمريكا والصين، وقدر البنك الدولي أنها ستكلف العالم حتى 2020 ما قيمته 455 مليار دولار. وبناء على هذا التباطؤ خفضت وكالة الطاقة الدولية مقدار توقعاتها على الطاقة لعام 2019 بمقدار 1,3 مليون برميل يوميا.
وثالث هذه العناصر قفزة إنتاج النفط الصخري الأمريكي. في 2017 وصل إنتاج النفط الصخري إلى 9,4 مليون برميل يوميا، ارتفع إلى 10,9 مليون في 2018، ويقدر وصوله إلى 12,1 مليون في العام الجاري، وأن يصل عام 2020 إلى 13 مليونا. ووفقا لتقدير2019 تُعتبر أمريكا أكبر منتج نفطي في العالم، ومع ذلك فإن إنتاجها لا يلبي سوى 60% من احتياجاتها. ولكن تسارع معدلات نمو الإنتاج، تؤكد على أن أمريكا ستصبح قريبا دولة كثيفة التصدير للنفط. ويمكننا أن نستنتج أن النفط الأمريكي لا يشكل الآن قوة منافسة في السوق العالمي، لكنه سيصبح قوة منافسة في الأمد القريب جدا. ومن شأن هذا أن يدفع أمريكا في الفترة الراهنة لتشكيل استراتيجيات استباقية لتهيئة السوق لاقتحامها، يمكن أن تأخذ أشكالا مختلفة مثل تفجير أزمات ممتدة في بعض مناطق إنتاج النفط، أو إقامة تحالفات داخل الأوبك تؤدي إلى إضعافها مؤسسيا أو تقليل قدرتها على المنافسة.
وسنجد العنصر الرابع في العقوبات الأمريكية على إيران، وسنهتم هنا حصرا بالجانب النفطي فيها. تسعى العقوبات الأمريكية إلى إيقاف كامل الصادرات الإيرانية، وهكذا جاء قرار أبريل الأخير بعدم تجديد الإعفاءات الممنوحة لثماني دول مستوردة.
ما هي احتمالات تأثير العقوبات على الوضع النفطي؟
من جهة أولى هناك تأثير لتراجع الصادرات الإيرانية على وضع العرض وسعر البرميل. يواجه هذا النوع من العقوبات غالبا بدرجة من التحايل، ويحتاج لمدى زمني طويل نسبيا لكي يحقق أهدافه، ويعرف غالبا تحولات في وتيرة تطبيقه مع مرور الوقت. والحاصل هناك صعوبة في رصد تأثيره الدقيق الراهن. وما يمكن رصده بثقة أن إطلاق واشنطن لهذه السياسات، صاحبه محاولات لسد تراجع العرض النفطي الإيراني، ويمكننا أن نرصد تأثيرا لهذه المحاولات على أهم قرارات مؤتمر يونيو 2018، والتي كان لها دورها في انخفاض الأسعار وشكلت بدايات المنحنى السعري الراهن الهابط.
ومن جهة ثانية هناك تأثير مجمل الأزمة الإيرانية على الأسواق. كما سبق أن أشرنا لا تنشط قوى العرض والطلب الاقتصادي، إلا عبر توسط عوامل مثل المخاوف والتوجسات والتوقعات وغير ذلك، والواقع أن سوق النفط سوق نفسي – سياسي بذات قدر كونه سوقا اقتصاديا. وفي هذا السياق يمكن الجزم بوجود هذه التأثيرات، لكن لا يمكن تحديد وجهتها إلا بعد فترة من الزمان. وغاية ما يمكن قوله بثقة، أن الأزمة خلقت مناخاً متوتراً في سوق النفط شكل في حد ذاته دافعا لعدم الاستقرار واتخاذ قرارات هي مزيج بين التخطيط والعشوائية والمخاطرة.
سينعقد مؤتمر الأوبك الوزاري في الأسبوع الأخير من يونيو. وكما تؤكد المؤشرات انتهى اجتماع جدة إلى التوافق على تجديد العمل بتخفيضات ديسمبر. وقد يكفي هذا لكبح جماح الدورة السعرية الجديدة الهابطة، ولكنه قد لا يكون كافيا لإيقاف هذه الدورة كليا وعكس مسارها. والأمر المؤكد أنه في ظل المتغيرات التي حللناها سوف تحتاج كتلة الدول المنتجة للنفط إلى سياسة أوسع وأعمق، تمكنها من انتهاج سياسات طيلة الأمد قادرة على تحقيق توازن السوق ومصالحها المستقبلية.