تمديد اتفاق الأوبك ووقف الحرب التجارية الأمريكية

د. الطيب الصادق –

ويدور التحدي الرابع حول استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وبعض الدول المصدرة للنفط في العالم وعلى رأسهم ليبيا وفنزويلا والعراق حيث تؤدي هذه التوترات إلى تقليص إنتاج الدول النفطية مما يؤثر على السوق العالمي.

يترقب العالم اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط وحلفائها المشاركين في صفقة (أوبك +) والمنتجين غير المنضمين للمنظمة والمقرر عقده في الثالث والرابع من شهر يوليو المقبل بعد أن تم تأجيله وكان مقررا له 25و26 يونيو الجاري حيث إن هذا الاجتماع سيحدد مصير صفقة فيينا الخاصة بخفض الإنتاج ولذلك تعكف دول الأوبك وروسيا وبعض المنتجين الآخرين غير الأعضاء بالمنظمة حاليا على تمديد اتفاقية أوبك وحلفائها المعروفة باسم (أوبك+)، بعد أن تم الاتفاق على خفض الإمدادات 1.2 مليون برميل يوميا اعتبارا من أول يناير ولكن التكهنات تشير إلى استمرار هذه الاتفاقية برغم المؤشرات السلبية التي تميل إلى حدوث دورة جديدة من انخفاض لأسعار النفط لما بعد عام 2014 وبداية عام 2016 التي تراجعت فيها أسعار النفط إلى 30 دولارا للبرميل تقريبا نزولا من 112 دولارا للبرميل، بسبب عوامل العرض والطلب والتغيرات الاقتصادية العالمية آنذاك ولذلك دفعت هذه التخوفات إطلاق وزير النفط الروسي تصريحات تشاؤمية بخصوص توقعات أسعار النفط في الفترة المقبلة
اجتماع (أوبك +) ربما يساهم في وقف نزيف تراجع أسعار النفط العالمية إذا اتفقت الدول الأعضاء في منظمة الأوبك والمنتجين خارجها بتمديد اتفاق قرار خفض الإنتاج أو على الأقل يجعل الأسعار مرشحة للاستقرار ما بين الـ٦٠ و ٧٠ دولارا للبرميل رغم وجود العديد من التحديات الأخرى التي ربما تؤدي إلى خفض الأسعار، ويتمثل التحدي الأول في استمرار الحرب التجارية الشرسة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأهم الشركاء التجاريين في العالم وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوربي والمكسيك وتعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم بحوالي 9 ملايين برميل يوميا تليها الولايات المتحدة الأمريكية التي تستورد 6.8 مليون برميل يوميا، لكن مع تصاعد استمرار الحرب التجارية وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصين ودول أخرى وتبادل فرض الجمارك والرسوم، تراجعت أسعار النفط وزاد عجز تجارة الولايات المتحدة مع الصين في عام 2018 بحوالي 43.6 مليار دولار ليصل إلى 419.2 مليار، وهبطت الصادرات الأمريكية بمقدار 9.6 مليارات دولار لتصل إلى 120.3 مليار دولار، وارتفعت وارداتها منها بمقدار 34 مليار دولار لتصل إلى 539.5 مليار وإذا استمرت الحرب التجارية يعني مزيدا من التراجع لأسعار النفط الفترة القليلة المقبلة نتيجة لتراجع الطلب على النفط من الصين التي تعد أكبر دولة مستهلكة للطاقة في ظل انكماش معدلات النمو الاقتصادي الصيني وتراجع صادراتها الخارجية التي ستؤثر بالسلب علي استهلاك قطاعيها الإنتاجي والصناعي من النفط، كذلك تسببت العقوبات النفطية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على كل من إيران وفنزويلا في تراجع إنتاجهما النفطي الأمر الذي يؤثر بالسلب على سعر النفط عالميا لتراجع الإمدادات للسوق العالمية.
بينما يرتبط التحدي الثاني ارتباطا وثيقا بالتحدي الأول حيث إنه من المتوقع حدوث ركود للاقتصاد العالمي الفترة المقبلة نتيجة لما أشرت إليه سابقا من استمرار الحرب التجارية الأمريكية مع شركائها التجاريين في العالم مما ستؤثر بشكل مباشر على المستثمرين في جميع بلدان العالم وتدفع معدلات النمو الاقتصادي العالمي إلى التراجع حيث إنه من المتوقع أن ينخفض إلى 2.9% بنهاية العام الجاري بسبب ارتفاع مخاطر التوترات التجارية وتراجع معدلات التجارة والتصنيع وأرباح الشركات في العديد من الاقتصاديات المرتبطة بالدول المتصارعة تجاريًا مما يرفع من التحديات الاقتصادية التي تواجه الاقتصاديات الناشئة حول العالم وبالتالي ستتأثر أسعار النفط العالمية من تراجع معدلات النمو والركود الاقتصادي الذي سيتبعه تراجع الطلب على النفط وهو سيدفع الأسعار للانخفاض.
فيما يتمثل التحدي الثالث في زيادة الإنتاج من النفط الصخري الأمريكي أدى إلى وجود فائض ومبالغ فيه وعمل تراجع أسعار النفط العالمية فوفقا لبيانات أصدرتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن مخزونات الخام التجارية في الولايات المتحدة قفزت بمقدار 9.9 مليون برميل إلى 470.6 مليون برميل وتتوقع إدارة معلومات الطاقة (الذراع الإحصائية لوزارة الطاقة الأمريكية) أن الفائض قد يصل إلى 100 ألف برميل يوميا، ولذلك وضع السوق النفطية في المرحلة الراهنة يتطلب تقليل المعروض وتخفيض الحصص السوقية لعمل توازن في السوق وبقاء الأسعار في مستوى ملائم للاستثمار ولموازنات الدول المنتجة.
ويدور التحدي الرابع حول استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وبعض الدول المصدرة للنفط في العالم وعلى رأسهم ليبيا وفنزويلا والعراق حيث تؤدي هذه التوترات إلي تقليص إنتاج الدول النفطية مما يؤثر على السوق العالمي، كما أن استمرار التوترات السياسية في عدد من دول الشرق الأوسط مثل ليبيا واليمن والسودان وسوريا والجزائر يؤدي إلى زيادة أسعار النفط من جانب لكن من الجانب الآخر قد تتراجع أسعاره نتيجة لتوقف العديد من الاستثمارات سواء في دول الصراع أو الدول المجاورة ويقل الطلب على النفط مما يساهم في زيادة المعروض مع تزايد الإنتاج من النفط الصخري الأمريكي.
وبرغم كل هذه التحديات السابقة التي ترجح كفة انخفاض أسعار النفط، لكن يتوقع استقراره ما بين 60 والـ70 دولارا للبرميل في حالة تمديد اتفاق أوبك المتعلق بعملية تخفيض الإنتاج للحفاظ على مستوى سعر معين للبرميل وأيضا في حالة تهدئة أمريكا للحرب التجارية مع شرائكها التجاريين وخصوصا الصين والمكسيك، واللجوء للمفاوضات بديلا عن المواجهات العسكرية مع إيران، مع دخول موسم الأعاصير وبداية موسم الصيف في الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى ارتفاع الطلب على النفط، مع حل مشكلة تلوث النفط الروسي واستئناف الصادرات بشكل معتاد إلى الأسواق الرئيسية، ولكن في حالة عدم التوصل إلى اتفاق بتمديد خفض الإنتاج واستمرار الحرب التجارية الأمريكية الشرسة فإنه من المؤكد أن تنهار أسعار النفط دون 30 دولارا للبرميل وسيمثل أزمة كبيرة للدول المصدرة للنفط خصوصا أنها تعتمد موازناتها عليه بشكل أساسي ولذلك يجب على الدول المصدرة للنفط وخصوصا العربية منها سرعة العمل على تنوع موارد الدخل واستكمال برامجها التي بدأتها منذ فترة ليست بالقليلة لتجنب تقلبات أسعار النفط والتي تحكمها عوامل خارجة عن إرادة الدول المصدرة للنفط.
على كل حال، فمن المعروف أن النفط لن يصبح المورد الرئيسي الذي تعتمد عليه الدول بشكل أساسي في موازناتها ولذلك لجأت معظم الدول النفطية إلى تنويع مصادر دخلها والبحث عن استثمارات جديدة تدر لها دخلا متنوعا بعيدا عن الاعتماد على النفط كمورد أساسي، رغم أنه ما زال المورد الرئيسي لهذه الدول ولكن بعد 5 سنوات والتوسع في الاستثمار في القطاعات الأخرى وخصوصا الخدمية والصناعية سيقل الاعتماد على النفط بشكل واضح وهذه الدول ستكون مجبرة على ذلك لانخفاض أسعاره وزيادة إنتاجه المتوقعة.