نوافذ: إلى خالد المعمري.. الصحفيون لا يتقاعدون أبدا

عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –

لم يدخل خالد بن حمد المعمري أمس صالة تحرير جريدة عمان، جاءت الساعة الرابعة عصرا ومكتبه ما زال مغلقا على غير عادته يوم السبت، اليوم الذي يبدأ فيه أسبوع عمله. بقيت عيون أغلب الزملاء تترقب دخوله صالة التحرير ليبدأ في الإمساك بتفاصيل دورة العمل، يسأل عن الأخبار المحلية، ويتابع تطورات الملفات الدولية، يبحث في وسط الأخبار والتقارير عن عناوين ترقى للصفحة الأولى، يلغي هذا الخبر ويجيز ذاك، معللا خياراته بشرح مفصل لا تلبث في الغالب إلا أن تقتنع به. لم يراقب سلام بن ضحي الريامي منفذ الصفحة الأولى باب مكتب المعمري أمس منتظرا خروجه مبتسما ليخبره أن «المانشيت» الرئيسي للصفحة الأولى صار واضح المعالم ويمكن البدء بالتنفيذ.
تهامس الزملاء كثيرا أمس قبل أن يعرفوا أن مسيرة «المعمري» في جريدة عمان قد وصلت الصفحة الأخيرة. وخالد المعمري كان يعتني بهذه الصفحة عنايته بالصفحة الأولى، الصفحة المقدسة في أي جريدة.. ولذلك عندما وصل هذه الصفحة كان المشهد بالنسبة له قاب قوسين أو أدنى من منتهى الحلم.
لم يختر المعمري التقاعد ولكن للزمن خياراته، وخيارات الزمن واجبة التنفيذ ولا مجال لإرجاعها للوراء أبدا إذا ما أشارت الروزنامة إلى سن الـ «60» وهو السن الذي رأى الكثير من الخبراء في العالم أنه الوقت المناسب للتقاعد. لكن السؤال الذي يُطرح دائما «هل يتقاعد الصحفي؟». الإجابة التي يؤمن بها الجميع أن الصحفي مثل العود المعتق كلما قَدِم كلما زاد ثمنه.
دخل خالد المعمري جريدة عُمان لأول مرة يوم 26 أكتوبر 1978 كانت الجريدة في ذلك الوقت لا تزال نصف أسبوعية وكان أغلب نجومها من الأردن ومصر، ولم يكن حضور الصحفيين العمانيين ملحوظا في الجريدة في ذلك الوقت ولذلك كان دخول أي عماني إلى صالة التحرير بمثابة إنجاز جديد تحققه الجريدة. لم تكن الصحافة في ذلك الوقت بالسهولة التي نراها اليوم، ولم يكن نجوم وسائل التواصل الاجتماعي ينافسون نجوم الصحافة، كانت وحدها في الميدان، وكانت «حقيقة» مهنة المتاعب، ليست متاعب الحصول على المعلومة فقط ولكن متاعب أدوات الصحافة وأجهزتها البدائية المعتمدة على الجانب اليدوي سواء في الكتابة أو في الإخراج ولذلك كان المجال مهيأ لتصنع المهنة صحفيين محترفين. بدأ المعمري حياته الصحفية محررا في القسم الرياضي وفيه أفنى أكثر من نصف عمره المهني، تابع المنتخب الوطني منذ مرحلة الهزائم الكبيرة إلى أن وصل إلى منصات التتويج.. يتحدث عنه المنفذون والمخرجون في القسم الرياضي أنه كان يأتي بأخباره إلى ركن التنفيذ وهي مكتملة بعناوينها وشروح صورها ويبدأ بالتفاعل مع المخرج بلازمته المعروفة «أيو أيوا أيوا إنت صح الآن» كان زايد السعدي وسليم العلوي وسيف الفضيلي يبتسمون معه لأنهم قدموا له الإخراج الذي يريد. ثم انتقل إلى قسم الأخبار المحلية، ثم مديرا لتحرير جريدة عمان لسبع سنوات تقريبا قبل أن يصبح نائبا لرئيس التحرير للشؤون المحلية بدءا من العام الجاري. لم يكن خالد المعمري الصحفي الذي يمكن أن تتفق معه في كل شيء، بل كانت شخصيته قابلة للاختلاف معه دائما، وكنت شخصيا أختلف معه كثيرا، وأناقشه كثيرا في اجتماع التحرير اليومي، ويصل الاختلاف إلى حد اليأس من تغيير قناعاته، تلك التي صنعتها مرحلة الثمانينات، ولكن أمام كل هذا لا يمكن إلا أن تحترمه، تحترم إخلاصه وتفانيه في العمل. يدخل خالد المعمري صالة التحرير الساعة الحادية عشرة صباحا ولم يكن يخرج منها قبل الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل عندما تكون المطبعة قد بدأت رحلة دورانها اليومي. لكن هذا التوقيت كان في مرحلة متأخرة عندما تطورت الصحافة كثيرا وصارت دورة العمل أقصر بكثير من الدورة التقليدية التي كانت تنتهي في وقت مبكر من فجر اليوم التالي.
وصف رئيس التحرير سيف المحروقي مرة خالد المعمري بأنه «رجل من ذلك الجيل من العمانيين الذين يعبدون العمل من المهد إلى اللحد دون أن يلتفتوا أن ثمة حياة أخرى في الجوار».
اليوم لن يتحدث خالد المعمري في اجتماع التحرير الصباحي، ولن يقرأ رصده لأهم الأخبار التي على الجريدة تغطيتها أو متابعتها، لن ينفعل لأن صحيفة أخرى تفوقت علينا في خبر ما أو عالجت خبرا آخر بشكل أفضل منا.. لكن خالد المعمري سيكون بعيدا عن قلق الأخبار وما تخلقه في النفس من توتر، سيتابع الأخبار الآن مباشرة على القنوات الإخبارية ولن يعود بإمكانه البحث عنها وسط عشرات وكالات الأنباء التي كانت تنصب على جهاز الكمبيوتر في مكتبه.. سيجلس اليوم بين أفراد أسرته طوال النهار سيلحظ أن أبناءه كبروا كثيرا وأن ثمة أصدقاء قدامى وجيرانا يمكن أن يبدأ معهم مرحلة جديدة تحتمها حياة التقاعد.. سيلحظ أن الزمن تغير كثيرا.. لكن لن يكون خالد المعمري يوما إلا صحفيا، فالصحفيون لا يتقاعدون أبدا.