لماذا القلق مما يجري في بلدان «التغيير»؟

د. عبدالعاطي محمد –

من حق المهمومين بالحال العربي المعاصر أن يقلقوا من أي أحداث عاصفة تضع بلدا عربيا ما على حافة الهاوية، لأن الجسد العربي كله واحد، يفرح أو يحزن لكل ما يهم أعضائه.
ومن حقهم أيضا أن يتساءلوا عن الأسباب التي تجعل هذا القلق حالة شبه دائمة، بينما كان يجب العكس حيث السعي إلى الازدهار والاستقرار والأمن، وقد كان بالإمكان تفهم ما يجري على أنه وضع طارئ هنا أو هناك مع الأمل أن تصلحه الأيام على وجه السرعة، لكن أن يدوم الوضع المقلق أو يطول، فهذا مدعاة للبحث عن الإجابات عن الأسئلة المشروعة المثارة حول هذه الأسباب لعلها تساعد في تصحيح المشهد.
لا نتحدث الآن عن مشاهد تتعلق بموجات التغيير التي ضربت أكثر من بلد عربي منذ 2011 فيما عرف بما يسمى بالربيع العربي، لأنها باتت محفوظة عن ظهر قلب عند المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، ولكننا نتحدث عن الموجات الجديدة التي باتت حديث المنطقة والعالم في الشهور القليلة الأخيرة ونقصد بها ما جرى ويجري في الجزائر والسودان، حيث الهدف واحد وهو المطالبة بتغيير النظام القديم من خلال آليات الاحتجاج المختلفة، والنتيجة حتى كتابة هذه السطور هي انسداد الأفق السياسي، وظهور العنف، والعودة إلى نقطة الصفر، برغم المبادرات والوساطات بين الخصوم التي تمت برضا خاطر منهم وضمن القواعد الدستورية، وفي هذا الإطار تبدو هذه المعضلات وكأنها قدر محتوم لا مخرج منه وأن حالة عدم الاستقرار بكل تداعياتها السلبية قد أصبحت سيدة الموقف.
ليس هناك مواطن عربي مخلص كان يتمنى لأي مشهد من هذه المشاهد أن يحدث سواء بالنسبة لموجات التغيير القديمة أو الجديدة، ولكن لأنه يشاهد كل ليلة على التلفاز الشد والجذب وابتعاد المسافات في المواقف، فمن حقه أن يستفسر عن الأسباب العميقة المسكوت عنها التي لا تجعل الجميع يقفون على بر الأمان شعبا وحكومات وأوطانا، ليس من خلال النفخ في النار كما يحدث من بعض الإعلام العربي والأجنبي، ولا الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، وإنما من واقع ما يقره العلم أو المعرفة الصحيحة وما أفرزته المستجدات في العالم المعاصر وباتت تشكل تهديدًا لا فرصة فيه أمام الشعوب التي تعاني أصلا من خلل مجتمعي وسياسي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ لكي تنهض وتستقر، ومنطقتنا العربية فيها الكثير من هذه الحالات لأسباب يطول شرحها ولا فائدة من تكرارها في هذا المقام.
لنا أن نحتكم للعلم والمعرفة من ناحية، ولسلوك الأطراف المتخاصمة لكي نضع أيدينا على المسكوت عنه من الأسباب التي تجعل الوضع مشلولا أو الحلول متعثرة قي أحسن الأحوال، فهناك في تقديرنا ثلاثة عوامل تضمن النجاح لأي تجربة في الحكم، الأول هو القيادة الحكيمة التي تتوافر لديها مميزات خاصة تمكنها من إدارة الحكم برشد يقر به الجميع في الداخل والخارج. ويصدق ذلك ليس على منطقتنا العربية وحسب، بل وعلى الدول المتقدمة شرقا أو غربا، والعكس صحيح فإذا ما كانت هناك قيادة مرتبكة أو لا تمتلك مقومات الحكم الرشيد، فإن مصيرها التغيير سلمًا أو إكراهًا، والتاريخ القديم والجديد يشهد على مثل هذا النوع من القيادة الناجحة وتلك الفاشلة أو غير الموفقة، بحسابات الإنجازات في مجالات الازدهار والاستقرار والأمن، وفي منطقتنا العربية كانت ولا تزال الملكيات العربية أكثر حظا في النجاح من الجمهوريات العربية، وبعض من هذه الجهوريات كان مصيره الفشل.
وليس من السهل تفسير هذه الظاهرة وخصوصا بالنسبة لتجارب الجمهوريات الأقل حظا في النجاح، ولكن ما هو ثابت يقينًا أن نجاح الملكيات يرجع – بجانب امتلاك مميزات الحكم الرشيد – إلى اختفاء الصراع على السلطة، واستشارة أهل الخبرة والكفاءة، والولاء والحب الشعبي للقيادات، وهذه العوامل تؤدي إلى تيسير تحقيق الإنجازات في المجالات الثلاثة السابقة الإشارة إليها. ولكن رياح التغيير التي ضربت بعض دول الجمهوريات منذ 2011 وتتكرر الآن في الجزائر والسودان يصعب فهمها من خلال استدعاء تجارب نجاح الملكيات وحده، لأنها بالغة الحدة والقسوة في إحداث التغيير ويحيطها الجدل من كل جانب وقادت بلادها إلى الدمار في البشر والحجر، هذا فضلا عن عدم إهمال تأثير عوامل أخرى تتعلق بصراعات القوى المحلية فيما بينها البعض، والتدخلات الخارجية. ولذلك لا بد من التوقف عند المسكوت عنه الذي يعد من الأسباب القوية للبداية والنهاية المؤلمة لموجات التغيير العربية قديمها وحديثها.
هذا المسكوت عنه يتعلق بأمرين حاسمين في نجاح حكم ما من عدمه، أو بالأحرى يمنعان حدوث التغيير بالشكل الذي رأيناه في منطقتنا العربية وهما وجود النخبة من ناحية، وتوافر الوعي الصحيح لا الزائف عند الشعوب من ناحية أخرى. هذا بالطبع إلى جانب توافر عامل القيادة الحكيمة. فأما عن النخبة، فهناك اعتقاد راسخ لدى علماء السياسة بأن وجود النخبة مرغوب فيه دائما، أو هو أمر لا مفر منه، على أساس أن حكومة النخبة تكون عادة من مصلحة الشعب أي تعمل دائما لصالحه لا ضده أو إعادته إلى الوراء، وأن المؤسسات التي تنتج النخبة لا يمكن تحطيمها إلا من خلال أفعال ظالمة غير عادلة، وأخيرًا لأن القيم الأخلاقية والاجتماعية المؤثرة قي حياة الناس من حيث دفعهم إلى الرقي، مثل الفخر والكرامة والمنافسة إذا ما أريد لها الانتشار فإن هذا لا يتحقق إلا بوجود النخبة.
فما هي النخبة إذن؟، إنها بالتعريف البسيط مجموعة من الناس الذين يستطيعون أن يقرروا من يحصل على ماذا ومتى وكيف؟، سواء تم ذلك بمبادرات مباشرة من جانبهم أو من خلال التصويت أي دخولهم مواقع صنع واتخاذ القرار عبر انتخابات حرة ونزيهة.
والملفت أن مفهوم النخبة يجد مثالا توضيحيا للمقصود به وذلك من عالم الأطباء على سبيل المثال، فالطبيب هو الذي يقرر للمريض ماذا يتناول من دواء ومتى وكيف، والأطباء كثر بالطبع ولم يولد أحد من الناس طبيبا، ولكنها الخبرة الكبيرة التي اكتسبها في عمله هي التي أعطته هذا التميز ليحصل على وضع النخبة، كما أن الأطباء ليسوا طغاة أي يجبرون المريض على تقبل علاجهم، وإنما يفعلون ذلك بعد موافقتهم (الذهاب إليه طواعية).
والنخبة السياسية مثل الحرفة الطبية، هي مفتوحة لكل شخص يبحث عن موقع في الحكومة أو السلطة طالما هو قادر على ملء هذا الموقع، أو ربما هي متاحة للكل ولكنها مرجحة لمن ولدوا في الأسرة الصحيحة، أو ممن لديهم مالا كثيرا، أو ممن ينتمون لعقيدة دينية معينة أو لوضع اجتماعي متميز.
هؤلاء هم من يقررون من يحصل على ماذا ومتى وكيف؟، ولكن النخبة السياسية (تماما مثلما يخطئ الطبيب أحيانا فيصف علاجا خاطئا) لا بد وأن تستجيب لاحتياجات ورغبات الأغلبية من الناس، وربما لا تفعل ذلك عندما تعمل لصالحها فقط بما يضمن بقاءها في السلطة وهنا تعزل نفسها عن الناس. وهكذا فإن النقد الرئيس الذي يوجهه المختصون للنخبة هو أنها من الممكن أن تتشبث بمواقعها عندما تصل إلى السلطة، وأنها تتعارض مع مبدأ المساواة. النخبة ليست وحدها من العوامل المؤثرة في الحكم، بل الوعي الشعبي الصحيح وليس الزائف، والقصد هنا أن كل طريقة في الحياة سوف تؤكد نمط الوعي الخاص بها، ثم فإن كل أشكال الوعي نسبية، ويذهب بعض العلماء إلى أن الزيف يرتبط بأنواع معينة من الوعي، والفيصل في هذا هو المعرفة العميقة بتاريخ كل مجتمع واتجاه تطوره وأن يتواصل النضال من أجل دفع تطور هذا المجتمع في اتجاه حركة التاريخ (هي دائما إلى الأمام).
ومن واقع تجارب السنوات التسع الأخيرة في بلدان التغيير وصولا إلى أحدثها أي الجزائر والسودان، غاب دور النخبة أو تم تغييبه على مدى عقود طويلة، ولم يحدث تجديد للدماء، وما هو قائم منها ممزق والصراعات فيما بينه أشد من الصراع مع خصمه ممن بيدهم السلطة، كما غاب الوعي الصحيح عند الشعوب وساد الوعي الزائف نظرًا لتدهور التعليم، ولعدم الاهتمام بالتنشئة البشرية ككل وخصوصا من ناحية التثقيف التاريخي والتراثي الرصين وأصبحت الشعوب تتلقى معرفتها من جهاز صغير تنقر بأصابعها عليه دون بذل قليل من المشقة للتأكد مما يعطيه لها من معارف، ولم تتكون حوائط صد ضد هجمات التهديد الخارجية للعقول العربية في هذه البلدان.
وفي غياب النخبة وانتشار الوعي الزائف وسط الشعوب، من المنطقي أن تطرأ مشكلات أمنية خطيرة تستدعى دورا استثنائيا للجيوش في هذه البلدان، وهذا بدوره يجعلها في موقف لا تحسد عليه، حيث تصبح هدفًا لتوجيه السهام بدلا من أن تستنهض النخب همتها وتتحمل مسؤوليتها وأن تتصرف الشعوب بوعي صحيح لا بوعي زائف.