المآلات التراجيدية للنظم الجمهورية فـي العالم العربي

ماجد كيالي –

في الحقيقة فإن تجربة النظم الجمهورية أخفقت في العالم العربي، لكن ذلك حدث قبل الربيع العربي، أي قبل الاضطرابات السياسية التي سعت لإجراء تغييرات على النظم القائمة، بمعنى أن ما حصل كان نتيجة لذلك الإخفاق في مختلف المجالات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
معلوم أن فلسفة النظام الجمهوري تنطلق من عدة مرتكزات:
أولها: إنهاء الحكم المطلق.
وثانيها: سيادة الشعب، واعتباره مصدر السلطات.
وثالثها: الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية.
ورابعها: تشريع المكانة الحقوقية والسياسية للمواطن الفرد، القائمة على مجتمع من الأفراد المواطنين والأحرار والمستقلين عن أي انتماءات جمعية أخرى، في إقليم – دولة يشكلون فيها الأمة.
وكان آباء نظريات العقد الاجتماعي، لوك وروسو وكانط (القرنين السابع عشر والثامن عشر)، أسّسوا لفكرة الجمهورية كبديل لفكرة الحكم المطلق، باعتبار السيادة في النظام الجمهوري للشعب، الذي يؤلف الإرادة العامة، والذي يتألف من مجموعة أفراده، الأحرار والمتساوين، وعلى أساس حكم مدني، والفصل بين السلطات.
بل إن لوك وروسو توافقا على أن شرعية أي سلطة مشروطة بالتزام الحاكم بصيانة الحقوق والحريات الفردية وإلا فللناس حق الثورة عليه.
وعند روسو، أيضا، فإن الإرادة العامة للشعب هي فوق أي إرادة فردية، وأن «السيادة هي جمع أصوات المواطنين كافة.. إذ لا وجود للشعب خارج الأفراد الذين يتكون منهم. وبالنسبة لكانط فقد ركز، من جهته، على مكانة الدستور المدني، الذي يتأسس على ثلاثة مبادئ: حرية أعضاء المجتمع، ومبدأ خضوعهم جميعًا لقانون وحيد مشترك، ومبدأ المساواة بين الجميع، وعلى قاعدة الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
هكذا فإن فكرة الجمهورية هي أحد تجلّيات الليبرالية، وبما أنه لا يوجد نظام مثالي، فقد تضمنت تلك الفكرة ثغرات ومشكلات تم حلّ بعضها بالديمقراطية، أو الديمقراطية الليبرالية، حسب النظم الغربية، أي الديمقراطية التي تنبع من نظام حكم يعترف بالفصل بين السلطات وبحقوق المواطنة وبدولة المؤسسات والقانون، لأنه من دون ذلك تغدو الديمقراطية شكلية، أو مجرد استفتاءات كما يحصل في كثير من البلدان، أو ديمقراطية توافقية (بين طوائف وإثنيات) كما في لبنان أو العراق، مثلا.
بيد أن فكرة النظام الجمهوري تلك ابتذلت في معظم بلداننا، أكثر من أي مكان آخر، حتى بالقياس للنظم الديكتاتورية في آسيا وأمريكا اللاتينية. فالديكتاتور عندهم يشتغل لمجد بلده كما يعتقده، أو يراه، في حين أن الديكتاتور عندنا طاغية، أفرغ النظام الجمهوري من مضامينه، إذ قوّض الدولة بتحويلها إلى سلطة، وصادر مكانة المواطنة، وحاول توريث الحكم، أي أنه يحرص على سلطته، وما يعتقد أنه مجده الخاص، أو صورته أو صنمه.
وفي الواقع فإن تلك النظم انكشفت على حقيقتها، بتعرّضها لهزّات سياسية عنيفة، بهذه الدرجة أو تلك، بعد أن تبينت خيبات أمل كبيرة، في كل المجالات: الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وقد يجدر التذكير هنا بأن تلك الهزّات الحاصلة في بلدان النظم الجمهورية نجمت عن عوامل عديدة، أهمها:
أولا: تغوّل السلطة على الدولة، وتهميش المجتمع، ومصادرة حقوق المواطنة.
ثانيا: انسداد آفاق التطور أو التنمية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ثالثا: بات لتلك الأنظمة بين خمسة عقود وثلاثة عقود، في الحكم، من دون أي تغييرات، بما يفيد أنها تقادمت، وربما يجدر التذكير في هذا السياق، أيضا، بأن الحديث عن الأنظمة الجمهورية ليس دلالة على حالة أفضل في الأنظمة الأخرى، إذ أن تلك الأنظمة، على الأرجح، لا بد ستقف في مواجهة أزماتها عاجلا أو آجلا، سيما إن لم تتدارك أوضاعها، ولم تتحول إلى أنظمة دستورية.
وقد يجدر التنويه أننا لا نتحدث هنا عن الديمقراطية، وإنما عن دولة مؤسسات وقانون، دولة تفصل بين السلطات، دولة مواطنين أحرار ومتساوين، دولة، لا أكثر ولا أقل، مثل غيرها من دول العالم، وهذا أضعف الإيمان.
السؤال الآن، كم سيحتاج العالم العربي لبلوغ هذا الاستحقاق؟
وهل أن الوصول إلى ذلك سيتم بالطريقة الصعبة أم السهلة؟
هل سيتم بالاضطرابات أم بالطرق التدريجية وبوسائل الحوار والإجماعات الوطنية؟
وهل سيدخل العالم العربي عبر إنجاز استحقاقي الدولة والمواطنة إلى التاريخ أم ستتعثر تلك المحاولة ويبقى على هامش التاريخ والعالم؟