عن العرب في سريلانكا

د. صهيب عالِم –

استجابةً للدعوة التي وَجَّهها إليّ كلٌّ من قِسْم اللّغة العربيّة والحضارة الإسلاميّة في جامعة كولومبو، سريلانكا، وقِسْم اللّغة العربيّة والحضارة الإسلاميّة في جامعة جنوب شرقي سريلانكا، لإلقاء محاضرات حول «اللّغة العربيّة في عالَم الاقتصاد»، وصلتُ من العاصمة الهنديّة نيودلهي إلى العاصمة السريلانكيّة كولومبو صباح يوم السبت 19 من شهر يناير 2019. واستقبلني الأخ يونس لبي نووي بحفاوة صادقة، وأخذني إلى المنزل الذي كان من المقرَّر أن أقضي بعضاً من الأوقات فيه حتّى الساعة التاسعة صباحاً.

توجَّهتُ من ثمّة إلى شرقيّ البلاد لإلقاء المُحاضرات في قسم اللّغة العربيّة والحضارة الإسلاميّة في جامعة جنوب شرقي سريلانكا في إقليم أولوفيل. وهذه الجامعة تَبعد 350 كيلومتراً تقريبا من العاصمة كولومبو. وخلال رحلتي من كولومبو إلى الجامعة، مررتُ بمنطقة قحطان Kattankudy، فجذَبت انتباهي لوحةٌ كبيرة على مدخل المدينة كُتب عليها باللّغة العربيّة أنّ «عائلة قحطان ترحِّب بكم في هذه المدينة».
كما رأيتُ بعض أشجار النخيل خلال المرور بهذه المنطقة. فبدأتُ استفسر من صاحبنا في السفر عن خلفيّة هذه اللّوحة الكبيرة المكتوبة باللّغة العربيّة وأشجار النخيل. فقال إنّ هذه المدينة تُعرف بـ «مدينة قحطان» في سريلانكا، وتُدْعى باسم «كاتانكودي» محليّاً، ويشتغل معظم سكّانها بالأعمال التجاريّة والصناعات وصَيد الأسماك، وهي تابعة للمُحافظة الشرقيّة في منطقة باتيكالوا وتبعد حوالي 339 كيلومتراً عن العاصمة السريلانكيّة «كولومبو»، وسُميِّت هذه المدينة إشارة إلى القبيلة العربيّة الشهيرة من شبه الجزيرة العربيّة التي نزلت في هذه البلدة. فقد تزوَّج العديدُ من الرجال القحطانيّين الذين جاءوا لمُزاوَلة أعمالهم التجاريّة بنساء هذه المدينة وبالتالي حصلت على اسمها نسبةً إليهم. وإنّ هذه الأشجار من النخيل جَلَبها التجّار العرب معهم فزرعوها هُنا، ولا توجدُ أشجارُ نخيل في كلّ المناطق الأخرى من سريلانكا. وتشتهر هذه البلدة بزراعة أشجار النخيل العربيّة على طول الطريق المؤدّية إلى المدينة، والتي تجعل الزائر يشعر بأنّه قد وصل إلى بلدٍ عربيّ من الشرق الأوسط، فيها متحف قحطان التراثي أيضاً. ونودّ الإشارة إلى أنّ هذه المنطقة واقعة على شاطئ البحر من خليج البنغال، وهو يُعدُّ من أجمل شواطئ هذا البلد الذي يقصده السُيَّاح الأجانب.
خلال اللّقاء مع بعض الأشخاص، دار حديثٌ بيني وبينهم عن الجاليات العربيّة في سريلانكا، فأشار الأخ يونس لبي نووي، وهو سكرتير في وزارة الصحّة السريلانكيّة إلى أنّ أجداده جاءوا برفقة التجّار العرب من بعض البلدان العربيّة، ربّما من الجزيرة العربيّة، واستوطنوها، ونحن منهم.
كما أخبرني الأخ محمّد إبراهيم محمّد أمير، وهو أيضاً سكرتير في وزارة التوظيف الأجنبي السريلانكيّة، أنّ أصول أسرته ترجع إلى المغرب. فهذا الخبرُ حفّزني على أن أستفسر منهم عن مزيدٍ من التفاصيل المتعلّقة بالجاليات العربيّة. فبدأتُ أتجوّل في تلك المناطق التي أرست فيها سُفن التجّار العرب رواسيها، ومنها منطقة «بيرووالا».
هذه المنطقة من المناطق السريلانكيّة التي نزل فيها التُّجَّار العرب والأفارقة في البداية، واستوطنوها، ومن أبرزهم الشيخ يوسف بن أحمد الكونين من الصومال، الذي قام بنشْر الدعوة الإسلاميّة، وبجهوده المُخلصة، اعتنقَ السنهاليّون الإسلام. واسم بيرووالا القديم هو «تريبرين» مشيراً إلى شخصيّة الشيخ يوسف. ووصل التجّار العرب والأفارقة في القرن الثامن المسيحي إلى بيرووالا، حيث يُعرَف السكّان المُسلمون فيها بالـ «مُوُر»، ولا يزالون يمارسون التجارة.
في «بيرووالا» مَسجدان قديمان، أحدهما يُسمّى بـ مسجد أبرار الذي بناه التجّار العرب العام 920م على جزيرة صغيرة مطلَّة على البلدة، وثانيهما «مسجد كيتشي مالائي»، وهو من أقدم المساجد في سريلانكا، إذ تمّ بناؤه في القرن الـ 12 المسيحي بعد وصول التجّار العرب إلى البلدة. ويُقال إنّ السفينة وَصلت إلى شاطئ بحر بيرووالا حاملةً سبعة أفراد من الأسرة الملكيّة في حضرموت واليمن، وأرست رواسيها على شاطئها. واستقبلهم الملك السينهالي بكلّ رحابة صدر، ومَنَحهم تسهيلات تجاريّة واقتصاديّة لمزاوَلة التجارة فيها. فقامَ هؤلاء التجّار ببناء هذا المسجد بإذن الملك السينهالي. كما أنّ هناك جامعة إسلاميّة كبيرة معروفة باسم «جامعة نَلِيْمِيّة» تمّ إنشاؤها في العام 1973م من قِبل رجل أعمال كان يزاول تجارة الأحجار الكريمة يدعى «الحاج نَلِيِّمْ». ولهذه الشخصيّة دَورٌ لا يُستهان به في نشر الثقافة الإسلاميّة والعربيّة والتعليم بين أبناء البلد بشكل عامّ، وبين بنات المُسلمين بشكل خاصّ. ويُقال إنّ هذا الرجل كان يخصِّص بعضا من أمواله من العائدات التجاريّة لتمويل الأشخاص الذين كانوا يرغبون في أداء مَناسك الحج، وكان يأخذهم معه إلى مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة.
وفي مستهلّ القرن العشرين استوطنَ سيلانَ بعضُ التجّار العرب من الشرق، وكان لهم دَور فعّال في إنشاء المَدارس العربيّة والإسلاميّة لنشْر التعليم في سريلانكا، وأبرزها مدرسة البارئ والمدرسة الإبراهيميّة.
ويعيش المُسلمون في مُحافظات عدّة في البلاد، منها جزيرة جافنا، ومانار، وترينكومالي في الشمال، وبوتالام، وماتالا، وكاندي في الوسط، والعاصمة كولومبو، وجالي في الجنوب. ولكنّ أغلبيّة المُسلمين هُم في المنطقة الشرقيّة. ولسريلانكا أسماء عديدة في كُتب عربيّة، منها سرانديب، جزيرة الياقوت، سيلان، التي تُعرف منذ العام 1972 بـ «سيرلانكا». وهذا البلد شهير أيضاً بوجود أعلى قمّة جبليّة معروفة بـ «قمّة آدم».
يَنقسم المُسلمون في سريلانكا إلى مجموعتَين كبيرتَين هُما «المور» و«الملايو». ويُشكّل «المُور» أكثر من 96% من إجمالي السكّان المُسلمين. تُستخدم كلمة «مُور» في الأصل لذوي الأصول العربيّة والهنديّة من المُسلمين السريلانكيّين. وهُم يُسمّون أيضاً بـ«يُوْنَاكَاس» لدى السِينْهَالِيِّيِن و«سُوْنَاهَارَسْ» أو «سُوْنَاغَارْ» لدى التَامِلِيِّيِنْ و«مُورْ» لدى الأوروبيّين.
نَجد الإشارة الواضحة في كِتاب «الدعوة إلى الإسلام»، لـ تي. دبليو أرنولد، إلى الأواصر التجاريّة بين العالَم العربي وسيلان منذ القرن الثاني قبل المسيح، حيث كان العرب يعملون في تجارة اللّآلئ والأحجار الكريمة بشكل خاصّ، إلى أن تدخَّلت الصين في سيلان في مستهلّ القرن السابع المسيحي. لذا فإنّ بعض أنواع الأحجار الكريمة الزرقاء أو الحمراء، أي اليواقيت، كانت تُعرف لدى الصينيّين باسم «Muhammadan Stones» (الأحجار المحمَّديّة). كما يشير هذا الكِتاب إلى وجود التُّجار العرب بأعدادٍ كبيرة في منطقة كانتون.
كان الملك بَهُوفَانَائِكَا بَاهُو الأوّل راغباً في إنشاء روابط تجاريّة مع البلدان العربيّة التي كانت تسيطر على الطُرق البحريّة في تلك الأيّام؛ فقد أَرسل بعثةً إلى سلطان مصر في القاهرة في شهر أبريل 1283، أشارَ فيها إلى «أنَّ استخراج اللّآلئ تحت سيطرته، ويمتلك أعدادا من المراكب أيضاً». وأمّا رغبته في توطيد العلاقة مع العرب فهي ليست إلّا لامتلاك قوّتهم البحريّة ضدَّ مَملكة مَلَايُو.

الأثر العربيّ في الأطعمة

حافظ المُسلمون السريلانكيّون، الذين ترجع أصولهم إلى البلدان العربيّة، على الثقافة العربيّة؛ بحيث نَجد لديهم مثلاً بعض أصناف الأطعمة ذات الأصول العربيّة مثل الـ «كنافة» (تلك الحلوى المصنوعة من الشعيرات والعسل والسكّر والمكسّرات والزبيب، والـ«كباب» (اللّحوم المقطَّعة المقليّة على النار)، والـ«هاليشا» (الاسم العربي هريسة، وهي مصنوعة من القمح ولحم الدّجاج) والـ«تَاكَادِيْ» (المصنوع من عجين القمح واللّحم)، وأصناف الحلويات الأخرى مثل حلوى الفواكه وغيرها. وقد تمّ تناقُل طريقة إعداد هذه الأصناف من الأطعمة بين المُسلمين السريلانكيّين من جيلٍ إلى جيل.

أثر أحمد عرابي

ثمّة شخصيّة عربيّة شهيرة أثّرت في نفوس أهل سريلانكا، هي شخصيّة الزعيم المصري أحمد عُرَابِي بَاشَا، الذي نُفِي إلى سيلان في العام 1882 وبقي فيها لغاية العام 1901، وأصبح هذا البطل شخصيّة جذّابة قويّة، حتّى بعد رجوعه إلى مَوطنه الأصلي، مصر، لدى المُسلمين عموماً. وخلال إقامته في سيلان، تزوَّج عرابي من امرأة سريلانكيّة وأنجب منها أربعة أبناء هُم: عبد الرّحمن وعبد اللّه ومحمود وعبد القادر، علاوة على فتيات أنجبن أحفاداً منهم إبراهيم نصّار الذي تولّى منصب سفير سريلانكا في مصر. ولقد حمل عرابي مشعل العِلم والمعرفة في سريلانكا، وخير دليل على جهوده المُخلصة لنشْر العلوم والمَعارف «كليّة زاهرة»، التي لا تزال قائمة في مدينة كولومبو، وتُذكِّر بإسهام العرب في وضْع حجر أساس التعليم في هذا البلد.
واليوم تَشهد أمكنة كثيرة على ساحل سريلانكا الشمالي الغربي على وجود العرب في هذا البلد، ومن تلك الموانئ ميناء «نيغومبو» ، وغومب، وهناك ميناء آخر يسمَّى «كمّال ثورائي»(Kammal Thurai) ، وكلمة الكمّال يُراد بها هناك «صانع الماكينة»، أو «حفر الحوض من دون الماء». وكانت موانئ سريلانكا تحت إدارة رجال عرب، لذلك نجد الإشارة في كِتابات السِّير «ألكسندر جونستون» إلى القانون البحري العربي في الموانئ، شَكلاً ومَضموناً.

* الكاتب أستاذ مساعد، قسم اللّغة العربيّة، الجامعة الملّية الإسلامية، نيودلهي – الهند، ينشر المقال بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي