الغـرب وتصـوّراته في الفكر العربي

د.كرم الحلو –

فتح الغزو الفرنسيّ لمصر في العام 1798 سجالاً إشكاليّاً بين العرب والغرب لم يفلحوا في تجاوزه أو الإجابة عن أسئلته على مدى القرنَين الماضيَين، بل إنّه لا يزال مُحتدِماً مطلع هذا القرن، حتّى أنّ مبادئ الغرب التنويريّة وقيَمه الحضاريّة باتت في مَوضع المُساءلة أو الرفض. فهل الغرب هو العدوّ الذي يتحدّى أمّتنا وشعوبنا أو هو المتفوّق الذي يطرح علينا رؤية جديدة وثوريّة للخروج من تخلّفنا المُزمن وفواتنا الحضاريّ؟
هل هو نموذج لنهضتنا أو هو تهديد لهويّتنا وفكرنا وحضارتنا؟
ماذا نأخذ من الغرب وكيف؟ هل نقتدي به بالكامل أو نرفضه كليّاً أو نختار ممّا يطرحه علينا ما يتّفق مع حاجاتنا ويتلاءم مع عقائدنا وأخلاقنا؟
عبَّر عبد الرّحمن الجبرتي، الذي عاصرَ حملة نابوليون، عن هذا الموقف الإشكالي، حيث أبدى إعجابه بتقدّم الفرنسيّين ومنجزاتهم العِلميّة والحضاريّة فيما استهجنَ سفور نسائهم ومُخالطتهنّ الرجال وخطر ذلك على الأخلاق. أمّا رفاعة الطهطاوي، الذي راقبَ الحضارة الغربيّة عن كثب في أثناء دراسته في باريس بين عامَي 1826 و1831، فقد دعا مَمالك الإسلام إلى الاقتداء بنهضة الإفرنج العِلميّة والعمرانيّة وحبّهم للعمل وتفانيهم في حبّ أوطانهم ونظامهم السياسي القائم على العدل والمساواة، إلّا أنّه مع ذلك ظلّ ينظر إلى الغرب باعتباره «دار كفر».
على هذا الوجه المُتناقض، رأى أحمد فارس الشدياق إلى الغرب، إذ أُعجب في كِتابه «الساق على الساق» 1855 باحترام الإنجليز الاختلاف في الرأي والعقيدة وتسامحهم إزاء الغرباء، ومعرفتهم قدر ذوي العِلم، ووضْع المرأة المميَّز لديهم، لكنّه في الوقت نفسه أبدى تأثّره ببؤس فقرائهم وشقاء تجّارهم، والوحشة والجفاء في علاقاتهم الإنسانيّة. في السياق ذاته نظرَ بطرس البستاني إلى الغرب، فدعا إلى إخضاع علاقتنا به للنقد والمُراجَعة، لأنّ تمدُّن أوروبا غير كامل من أوجه كثيرة، والأولى بنا أن نأخذ منه ما يُلائمنا ونطرح ما لا يتّفق مع تراثنا وأخلاقنا.
على غرار البستاني، اتَّخذ علي مبارك موقفاً توفيقيّاً من الغرب داعياً إلى اقتباس ما «فيه لبلادنا مزية ومَنفعة، والاجتهاد في نقله إلى جهتنا وبيان مَنافعه» من دون التفاتٍ إلى عادات الغربيّين وأخلاقهم «مليحة كانت أم قبيحة».
أمّا الرائد النهضوي فرنسيس المرّاش 1836 – 1874، فيبقى الأكثر تعبيراً عن الصورة المُتناقضة للغرب في فكرنا العربي الحديث والمُعاصر، إذ تراوحَ بين الانبهار التامّ بالتمدُّن الغربي ولزوم الاقتداء به لتجاوُز فواتنا التاريخي، وبين الارتداد على هذا التمدُّن باعتباره «تمدّناً متوحّشاً» أورث الحروب والمَطامع وسفك الدماء. وبينما كان يعوِّل على تمدُّن الغرب في إيجاد أجوبة شافية عن أسئلة التقدّم والعدل السياسي والاجتماعي التي كانت تؤرقه وهو في طريقه إلى باريس التي قصدها لدراسة الطبّ في العام 1866، ثمّ راح لدى رؤيتها يكيل الثّناء على رقيّها وعظمتها، حتّى أنّه رأى فيها صورة «الجنّة» بكلّ ما تتّصف به من أوصافٍ باهرة، لم يلبث أن عاد خائباً إلى طرح الأسئلة إيّاها، مُندِّداً بمآل التمدُّن الغربي الذي وهو «يهتف ببوق البشائر والأفراح، تضّج حوله ولاوِل الأرامل وعويل اليتامى وحسرات الفقراء».
هذا المآل الخائب هو ما عبَّر عنه أمين الريحاني الذي كان نصيراً صريحاً لنشْر مُنجزات المدنيّة الغربيّة في الشرق، وداعياً إلى اتّباع الطريق الذي شقّه الغرب، وقد أبدى إعجابه بما عرفه في نيويورك من حريّة حُرم منها في مَوطنه، إلّا أنّه لم يلبث أن أَعلن خَيبته إزاء الوجه المُتناقض لنيويورك وأميركا فخاطَب الأولى بقوله :» إنّ رحمك الحديدي عاقر… في مستودعاتك كلّ خيرات الأرض، وفي خزائنك الدرّ، وفي قصورك آيات المدنيّة… أمّا في أكواخك فالبؤس والأنين»؛ وقال في الثانية :« آه يا أميركا يا من أحبّها وأكرهها …يا أمّ الازدهار والتعاسة الروحيّة… إنّ ربّ المال الذي تعبدين هو جثّة متوَّجة على كومة روث» .
وثمّة وجه آخر للغرب شكّل سمة من سمات الرؤية إليه في الفكر الحديث والمُعاصر، إنّه وجه الحريّة والإبداع والإيمان بالذّات الإنسانيّة وإمكاناتها المفتوحة على المطلق والمستحيل، وشجاعتها في مُواجهة الطبيعة وتحدّياتها، والمجتمع وأعرافه السائدة. فليس من المُصادَفة أن يكرِّر هاشم صالح في العام 2005 ما كان المرّاش قد وصف به لحظة وصوله إلى الغرب قبله بمائة وأربعين عاماً. فالمرّاش وصف مرسيليا بـ« الأرض السعيدة» ووصف صالح باريس بـ« الأرض الطيّبة». أمّا الأسباب فهي ذاتها في الحالتَين: حريّة الإنسان الغربي وخلاصه من القيود التي تحاصر الإنسان في العالَم العربي. يقول صالح: « كان من حسن حظّي أن وطأت قدماي هذه الأرض الطيّبة المحرَّرة من الفقه الظلامي الذي يفتك الآن ببلادي فتكاً ذريعاً». ويقول المرّاش: « كم تستميل الإنسان هذه الأرض السعيدة التي تمنح أمناً غير مثلوم، وحريّة غير مأسورة، وحياة غير مهدَّدة ولا مذعورة».
هذا الموقف هو أيضاً ما عبَّر عنه طه حسين في كِتابه «أديب»، إذ وصف الحياة في مصر كالحياة في أعماق الهرَم، حيث يحسّ الإنسان بالاختناق، ويخيَّل إليه أنّ ثقل ذلك البناء العظيم يكاد يهلكه، بينما الحياة في باريس كالحياة خارج الهرَم حيث الهواء الطلق الخفيف. وهو كذلك ما تحدَّث عنه ياسين الحافظ، إذ رأى أنّ قوّة الفرد الغربي وجرأته وثقته بنفسه إنّما مردّها إلى تحرّره من الخوف الذي يكبِّل الإنسان العربي منذ سنواته الأولى، الخوف من العائلة، من المدرسة، من المجتمع، من التقاليد، من السلطة الاستبداديّة الشرقيّة.
ومن اللّافت احتدام السجال حول صورة الغرب في الفكر العربي مطلع هذا القرن، فقد ذهب خلدون حسن النقيب في «آراء في فقه التخلّف» (2002) إلى أنّ « المُمارسات التي اقترفها قادة الغرب قد أوصلت العلاقات بين الأُمم والشعوب إلى طريق مسدود بإجبار شعوب الأرض على تبنّي نموذج الدولة القوميّة الغربي ونهْب ثروات العالَم الثالث وتدمير الحضارات والثقافات المحليّة وتعريض العالَم لدمارٍ بيئي وخطر الإبادة الجماعيّة».
ولم يتردّد جلال أمين في رفض مبادئ التنوير الغربي وقيَمه والتعامل مع حداثة الغرب بوصفها شكلاً من أشكال الهَيمنة والتسلّط والعدوان على قيَمنا التراثيّة والأخلاقيّة. تأسيساً على هكذا رؤية، رفض راشد الغنّوشي عالَميّة الميثاق العالَمي لحقوق الإنسان، باعتبارها عَولمة مفروضة من قبل حضارة غربيّة سائدة. وفيما ذهب الطيّب تيزيني إلى أنّ الواقع العربي يُواجه صيغة الاستباحة وتفكيك الهويّة، رأى وجيه كوثراني أنّ الغرب طرحَ علينا مشروعاً حضاريّاً وإنسانيّاً لم نفلح بعد في مشاركته إيّاه، ولهذا لم نبدأ معه حواراً مُتكافئاً ينهي الإشكال القائم بيننا وبينه.

أمّا في أحدث تعبير واقعي وعقلاني عن هذا السجال، فقد ذهب ناصيف نصّار في «التنبيهات والحقيقة» (2019) إلى أنّ « تاريخ المجتمعات الغربيّة منذ أوائل القرن السادس عشر حتّى أيّامنا، في ما يخصّ السلطة والحريّة، هو التاريخ الذي يمتلك أهمّ المفاتيح الرئيسة المفسِّرة لتفوّقها واندفاعها إلى قيادة العالَم، من دون أن يعني ذلك أنّ كلّ ما استخلصته حول السلطة أو حول الحريّة سليم ويستحقّ أن ندافع عنه». إنّ أصل الإشكال في هذا السجال المُتمادي يكمن في رأينا في أنّنا لم نخرج إزاء الغرب من ردّ الفعل إلى الفعل، ولم نتمكّن حتّى الآن من الإفلات من فضائه المرجعي لننخرط في الحداثة وإنتاجها بدل أن نبقى عالة عليه في علومنا وسلاحنا وغذائنا ودوائنا.
وما دمنا على هامش حركة التاريخ وثورته المعرفيّة، سنظلّ أسرى الموقف الإشكالي من الغرب الذي ما انفكّ يُطاردنا منذ زمن الجبرتي والطهطاوي. فكيف سنتجاوز هذا الموقف وليس لدينا جامعة واحدة بين الخمسمائة جامعة الأفضل في العالَم أو عالِماً واحِداً من بين العُلماء المائة الأبرز، وما دام إنتاجنا العِلمي هو دون الـ 40 في المائة من إنتاج إسرائيل وحدها؟

* ينشر بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي