نيران نوتردام والدّيك الذي نجا من الحريق

د. فردريك معتوق –

قال المفكّر السياسيّ الفرنسيّ جان جوريس ذات مرّة: « فقط عند انسيابه نحو البحر، يتذكّر النهر مَنبعه الكائن في أعالي الجبال». هذا ما يُمكن أن نقوله عن الفرنسيّين لحظة اندلاع الحريق في قلب كاتدرائيّة نوتردام في باريس. فمن تابَع ردّات فعل المُواطنين في العاصمة الفرنسيّة، كما في عموم فرنسا، أدرك فوراً كم أنّ هذا الحدث أَنتج ما يُطلِق عليه عِلمُ الاجتماع اسم «الظاهرة المجتمعيّة».
فالظاهرة المجتمعيّة هي ظاهرة شاملة وعامّة وذات ارتباطات تاريخيّة عميقة، ثقافيّة ومعرفيّة؛ في حين أنّ الظاهرة الاجتماعيّة ترتبط بشقٍّ محدَّد من الحياة الاجتماعيّة كما بلحظة تاريخيّة بعَينها.
أصابت صدمةٌ كبيرة أبناء المجتمع الفرنسي الذين شاهدوا ما حدث، إمّا بأمّ العَين، في باريس، أو على الشاشة الصغيرة، في عموم فرنسا. وسرعان ما تحوّل الأمر من مجرّد صدمة إعلاميّة الى صدمة جرحيّة، إذ غدا الجميع يخشى بعد حين انهيار المبنى بأكمله. فالكلّ كان يتابع ساعة بساعة تفاصيل ما كان يدور على الأرض من عمليّات إطفاء وإنقاذ متوقِّعاً الأسوأ، حتى حضر رئيس الجمهوريّة بعد ساعات قليلة ليصرّح بأنّ الاسوأ قد تمّ تخطّيه. لكنّ النفوس لم ترتح كليّاً إلاّ صباح اليوم التالي، حيث تمّ الإعلان عن إخماد الحريق بصورة كاملة.
عندها قدّمتُ بعض الشروحات حول أمور شغلت بال الفرنسيّين، كالتساؤل عن عدم استخدام الطوّافات لإخماد الحريق والاكتفاء بتركيب مضخّات على نهر السين المُجاور، حيث أُفيد بأنّ سكْب كمّيات كبيرة من الماء من الأعلى، فوق الكاتدرائيّة، قد يتسبَّب على الأرجح بتصدُّع الجدران وتهاويها، لأنّ السقف بدا مفتوحاً ومكشوفاً. وقد صحّ هذا التقدير، لأنّ الأضرار أصابت «غابة» الأعمدة الخشبيّة التي كان يرتكز عليها السقف من دون أن تبلغ الحجر.
ما لفتني في الحدث الذي تابعته خلال إقامتي في باريس بالمُصادفة برفقة ابنتي ليال، هو أنّه عِيشَ فعلاً ككارثة وطنيّة؛ إذ كان عموم الناس والرسميّون يتابعون تفاصيل الأمور كحدثٍ وطنيّ عامّ. فعلى الرّغم من غلبة الحضور العلماني في الحياة السياسيّة واليوميّة العامّة، جاءت ردّة الفعل عند المؤمنين والعلمانيّين واحدة. لم يحصل هناك أيّ فرز عصباني بين ردّة فعل مبنيَّة على خلفيّة كاثوليكيّة وأخرى مبنيّة على خلفيّة بروتستانتيّة مثلاً؛ بل إنّ قاسماً وطنيّاً مُشترَكاً حوَّل الحدث فوراً، في الوعي الجماعي، الى همّ عامّ. وقد تابع بعدها الجميع التفاصيل يوماً بيَوم، في الصحافة المكتوبة كما على الشاشة الصغيرة والراديو، باهتمام متواصل، ثمّ رحَّب الكلُّ بنقلِ الذخائر المحفوظة في الكاتدرائيّة، مع الموجودات الثمينة الأخرى، إلى متحف اللّوفر الوطني، تأكيداً على عموميّة ملكيّتها المعنويّة. بعد الحدث مباشرة، أي بعد أربعة وعشرين ساعة على إخماد الحريق، أطلّت على وسائل الإعلام كوكبة من المُهندسين وخبراء الترميم المُختصّين في العمل بالأدوات القديمة. عرضوا مهاراتهم وأبدوا استعدادهم، كلٌّ في مجاله، للقيام بما هو مطلوب لإعادة الكاتدرائيّة إلى سابق هندستها وجمالها، خلال سنوات معدودات. فالمهندسون المعماريّون بيّنوا تصاميمهم لغابة الأعمدة الخشبيّة كما كانت عليه قبل الحريق، واقترحوا من ثمّة إعادة بنائها بالمادّة نفسها أو بإسمنتٍ مسلّح من لَون الخشب نفسه. وعرضَ المختصّون بالجسور إعادة بناء الأرضيّة التي كان يقوم عليه السقف المحروق بمواد غير قابلة للاشتعال، أقوى وأصلب من تلك التي كانت مُستخدَمة سابقاً. كما عرض مهندسون آخرون إعادة تشييد الصارية، التي هوت، إلى ما كانت عليه تماماً، وبالمواد نفسها والتصميم نفسه، أو باعتماد تصميم جديد لها. كما عَرَضَ العامِلون في مُختبرات الترميم وحفظ التراث المادّي في متحف اللّوفر، المشهورون بمهاراتهم العالية، إسهاماتهم في محو آثار الحريق عن اللّوحات التاريخيّة الموجودة على جدران الكاتدرائيّة وإعادة ترميم أو صناعة كلّ شمعدان أو تمثال أو شبّاك زجاجي نال منه الحريق أو تأثَّر بالدخان؛ بحيث تبيّن أنّ ما هو متوافِر من عقول متخصِّصة وأيادٍ ماهرة يبعث على الأمل، مع تأكيدٍ جامِع على تلازُم هذه الهبّة الفنيّة والعلميّة مع صحوة وطنيّة بضرورة الحفاظ على تراث الأمّة الثقافي كتراث وطني يعني الجميع من دون استثناء. بل الأجمل هو منظور الشعب الفرنسي تجاه هذا التراث، المَعفيّ من أيّ ارتباطات عصبيّة أو أيديولوجيّة، مكشوفة أو مستورة. فعلى الرّغم من سنّ قانونٍ شهير في العام 1905 في فرنسا يوجِب المواطنين بـ «فصل الدّين عن الدولة»، والتزام الدولة الفرنسيّة دستوريّاً به، سمح هذا الوعي المجتمعي العامّ بتجاوُز الوعي الجماعي الخاصّ بكلّ فئة من الفئات، حارِماً المعطّلين أو المُمانعين المُحتملين من المساس بإرثٍ ديني غدا إرثاً وطنيّاً. لم يعلُ أيّ صوت أيديولوجي أو عصباني، بل انضوى الرأي المجتمعي العامّ تحت لواء الانتماء الوطني الجمهوري. صحيح أنّ التدمير الذي لحق بكاتدرائيّة نوتردام لم يكُن الدمار الوحيد الذي لحق بكاتدرائيّة فرنسيّة، ذلك أنّ كاتدرائيّة ستراسبورغ سبق أن طاولها القصف المدفعي في العام 1870، إبّان الحرب الروسيّة- الفرنسيّة، وصحيح أنّ قصفاً مُماثِلاً كان قد دمّر قسماً من كاتدرائيّة راينس في العام 1914، إبّان الحرب العالميّة الأولى، وأنّ هذَين المَعلمين قد أُعيد بناؤهما بعد حين، إلّا أنّ حريق نوتردام في باريس سمح، في زمن السلم، بتجييش المَشاعر الوطنيّة الصرف، من دون تداعيات قوميّة عدائيّة.
جاءت ردّة الفعل شعبيّة ووطنيّة ومدنيّة. وكأنّي بها تعكس من حيث لا تدري روحيّة الثورة الفرنسيّة ومبادئها. حيث أتت، في المُمارَسة، حرّة وعادلة وأخويّة، تجسيداً للشعارات المطرّزة على العَلم الفرنسي في جميع المؤسّسات الرسميّة في البلاد منذ مائتي وثلاثين سنة: حرّيّة، مساواة، تآخٍ. حتّى أنّه بإمكاننا أن نذكّر هنا بأنّ الثورة الفرنسيّة التي قامت في العام 1789، الداعية في ذروة تطرّفها إلى مُحاربة رجال الكنيسة، لم تنل في حينه من بناء كاتدرائيّة نوتردام، بل اكتفى بعض خطبائها بإلقاء خطب ناريّة مجَّدوا خلالها إله العقل. لم يَعتبر الثوّار الفرنسيّون في عزّ سطوتهم أنّ كاتدرائيّة نوتردام نصبٌ معماريّ شبيه بقلعة الباستيل، بل تعاملوا معها على أنّها صرح تراثيّ عامّ. لم يكُن هذا التراث جامِعاً في الأصل، ذلك أنّ نوتردام مَعلم مسيحي كاثوليكي بامتياز، وقد تمّت الدعوة على ساحته الرئيسة لشنّ إحدى الحروب الصليبيّة. لكنّ الوعي المجتمعي المواطني الفرنسي قد حوّله اليوم إلى صرح تاريخي وثقافي مَبنيّ على مَعرفةٍ من نَوع جديد.
تتميّز هذه المعرفة المُستنبَتة التي تُظلِّل النظرة إلى نوتردام، بحسب تصنيفات جورج غورفيتش في كِتابه «الأطر الاجتماعيّة للمَعرفة»، بأنّها معرفة رمزيّة؛ أي أنّ سِمتها الأساسيّة وباب الدخول إليها مَبنيّ على قيمتها الرمزيّة، لا على موضوعيّتها فحسب. عِلماً أنّ من خصائص المَعرفة الرمزيّة أنّها تُعرّي المعرفة التي تحتضنها من شوائبها التاريخيّة والثقافيّة والأيديولوجيّة، الضمنيّة والمُعلَنة.
تعاملَ الفرنسيّون مع حريق نوتردام من هذا المنطلق الرمزي الذي سمح ببلوغ الصفاء الفكري المؤدّي إلى التفاعُل المواطنيّ الجامِع مع مَعلمٍ أثريّ رفعه الجميع إلى مَصافّ المَعلم الرمزي الوطني الفرنسي. وممّا لا شكّ فيه، هو أنّ الأديب الفرنسي فيكتور هوغو قد أسهَم كثيراً في بلْورة هذه الوضعة وتعميمها، داخل فرنسا وخارجها. وفي هذا الصدد أشارت الصحافة إلى أنّ الكِتاب الأكثر مَبيعاً غداة الحريق كان «أحدب نوتردام».
سمحت رمزيّة هذا المَعلم، على المستوى الفرنسي أوّلاً، ثمّ على المستوى العِلمي، بجعْل الحريق الذي التَهَمَ جزءاً مهمّاً منه مع سقوط الصارية الوسطيّة فيه (التي لم تكُن تحمل صليباً بالمناسبة، بل ديكاً يرمز إلى الأصول الغالية القديمة للشعب الفرنسي) حدثاً رمزيّاً عابراً للقرون وجامِعاً لكلّ فئات المجتمع الفرنسي. وتجدر الاشارة هنا إلى أنّ رجال الإطفاء قد وجدوا في اليوم التالي الديك البرونزي سليماً بين الآثار بحسب الصحافة الباريسيّة.
أخيراً، تبيَّن بالملموس أنّ الرمزيّ قادر على جمع النوايا والإرادات أكثر من أيّ شيء آخر عند المِحن. وتبيَّن أيضاً أنّ نَوع المعرفة الرمزيّة السائد حاليّاً في فرنسا مغروس في التكوين المواطني السياسي والثقافة التراثيّة على حدّ سواء. وهذا ما يعبّر عن تقدّمٍ حضاريّ دونما أيّ شكّ.
تبيّن أيضاً وأيضاً أنّ الأدب قادرٌ على الإسهام الفاعِل في بناء هذه المعرفة الرمزيّة بجعْلها قاسماً مُشترَكاً للمخيال المجتمعي. كما تبيَّن أنّ النار، كما أشار إلى ذلك باشلار، عنصر مادّي يحفِّز الخيال ويحثّ على استيلاد الأفكار وتطهيرها بعد حين، بحيث تخرج صافية في رمزيّتها ومُلهِمة.
تبيّن أيضاً أنّ الناس بحاجة إلى العودة إلى الينابيع مهما بلغت أشكال عمرانهم البشري. فهم يتوقون لجعل الحياة موصولة من أوّلها إلى آخرها.
تبيّن أخيراً أنّ التراث من صنع الإنسان وليس كِتاباً مُنزلاً، ويتعامل معه البشر بانجذاب كبير، غير أنّهم قد يعطونه المعنى الذي يريدون، انطلاقاً من الطور الذي بلغوه، عِلماً بأنّ ميزة تعامل الغربيّين مع التراث تستتبع المُساءلة والنقد وليس الانبهار والتمجيد والتجميد، كما هي الحال في العالَم العربي المُعاصر.
لذلك كلّه بإمكاننا القول إنّ حريق نوتردام في باريس لم ينَل من روح تراثٍ جرى «تكريره» لدرجة أنّه أضحى إكسيراً معرفيّاً صافياً.
* مفكّر اجتماعي من لبنان