عطر : رحلة السلحفاة

رنـــــدة صـــادق –
randanw@hotmail.com –

نحن نشتاق إلى كل يومياتنا الروتينية التي كانت مصدر إحساسنا بالملل، فقط لأن أمورا طارئة غيرت من تفاصيل تلك اليوميات، رغم كل ما ندعيه بأننا أهل التغيير وأننا نريد الخروج من عباءة التقاليد والعادات والأعراف، إلا أن أمرا ما يعيق انقلاباتنا وثوراتنا الداخلية عند أي استحقاق يحتاج تغييرا فعليا وإن يكن بسيطا، نحتمي بكل ما ننتقد وكأنه درعنا الاجتماعي، فالكل يتحدث عن انزعاجه من تلك التفاصيل التي تضغط على أعصابه ورغبته في الخروج والانطلاق كاسرا القيود الاجتماعية التي تحاصره.
الإنسان يصارع محيطه في مجالسه ويتحدث في جلساته ومع أصدقائه عن أن ما يدور مجرد تقاليد بالية علينا أن نتحرر منها، والكل منزعج والكل ينتقد، ولا أحد يبادر عند بلوغ الأمور منتهاها، لا جديد تحت الشمس ولا حتى في انعكاسات الظلال في مرايا الانتظار، دائرة مغلقة من الرغبات التي تعيش سكتة إرادية، تتجلى في مجرد عبارات التذمر دون أي فعل حقيقي؟ إذا هل يخاف الإنسان من التغيير؟ نعم يخاف ويقاوم التغيير، لأنه عالق في المألوف اعتقادا منه ان هذا أكثر أمنا واقل ضررا وهذا يرتبط بسيكولوجيا الجماعة التي تجتمع بوحدة المصير.
رغم إننا جميعا نرغب في إحداث تغييرات إيجابية في محيطنا الاجتماعي تسمح بعيش أكثر تحررا من ضغط أحكام الآخر على اختياراتنا وأسلوب حياتنا، خاصة إننا اليوم نواجه تدخلات سافرة بحياتنا الشخصية، بعد انتقالنا للعيش في العالم الإلكتروني، وشرائنا مساحات الشهرة، ثم ما يحدث من تنمر يتعلق بكل تصرفاتنا ومعتقداتنا على اختلافها، وهذا في أمورنا الشخصية فكيف بالتغيير الفكري المتعلق بعلاقتنا في العالم الأشمل؟ يقول المهاتما غاندي:» عليك أن تكون أنت التغيير الذي تريده للعالم» نعم على من يرغب بالتغيير ان لا يقع في فخ التقليد الأعمى ولا يخشى المغامرة المجنونة ويفكر في المغامرات المحسوبة التي تريد نتائج إيجابية حتمية، الخوف عدو التغيير الأول.
دعونا نتفق أن مجتمعاتنا مجتمعات تخشى التغيير وتتعلق عاطفيا ببعض العادات والتقاليد، التي تشل حركة التطور التي تسير في رحلة السلحفاة، هذا الكائن الجدي والمثابر والبطيء والذي يبلغ أهدافه ببطء شديد وهذا لا يتفق رغم دقته مع حركة المجتمعات الإنسانية وتطور الفكر البشري بشكل ملحوظ،علينا أن نعي نقطة مهمة: التغيير لا يعني نسف موروثاتنا، بل هي عملية تنقية هذه الموروثات من بعض الشوائب التي جعلت منا أمة بطيئة في سيرها نحو الحركة التطويرية التصاعدية والسريعة .
التجديد الفكري بات ضرورة لمواكبة الحركة المجنونة التي يشهدها العالم، بينما نحن نجلس خلف أجهزة إلكترونية نكتب وننظر ونمارس أطروحات تقدمية افتراضية، نحن بحاجة ملحة لطرح مفاهيمنا الإنسانية الجديدة التي تتوافق مع كوننا جزء من صورة كاملة ولسنا كل المشهد، ولكن عند الجد نتراجع لنخبئ رؤوسنا وننتظر ان يبادر غيرنا، الأمر بسيط وتوافقي، التغيير لا يمس بالقيم أو بالدين، كوننا نظن أن المعتقد يحد رؤيتنا وأن أي كلام مغاير لما طرحه أجدادنا هو تعد على مقدساتنا، في الحقيقة أن هذا الأمر غير صحيح، الدين شعائر ومجموعة قيم أخلاقية إنسانية جامعة، التزامنا بالشعائر عمل تعود منفعته علينا لأن الأمر يرتبط بعلاقة العبد بربه، أما القيم فهي ترتبط بالدنيا وبالصورة التي نصدرها عن عقيدتنا، مهما كانت وإلى أي طائفة أشارت، التغيير تغيير علمي صرف يمكننا من العبور الى عوالم جديدة ما زالت غامضة بالنسبة لنا، علينا البدء في إعادة تموضعنا لنتمكن من مجاراة ما يحدث في العالم الأوسع من حدود معرفتنا.