في مواجهة تحديات الوجود الأوروبي المشترك

د. صلاح أبونار –

فيما بين 23 و26 مايو اتجه الناخبون الأوربيون إلى صناديق الانتخاب لاختيار البرلمان الأوروبي العشرين. وعلى مدى تلك الأيام الأربعة شهدت طرقات الدول الثمانية والعشرين أعضاء الاتحاد الأوروبي، تدفق 50.97% من المؤهلين للانتخاب من سكان الاتحاد البالغ عددهم 513 مليونا، في أعلى نسبة تصويت حققها البرلمان طوال تاريخه، وبفارق 8.26% عن انتخابات 2014.
ماهي السياقات التي شكلت مسيرة هذه الانتخابات؟ وكيف كانت نتائجها؟ وماهي الدلالات التي حملتها تلك النتائج معها؟
يمكننا أن نميز بين عدة سياقات ساهمت في تشكيل الانتخابات.
أولها ما يمكن دعوته بالتحديات الخارجية التي تواجهها الجماعة الأوروبية. تقف هذه الجماعة الآن في مواجهة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية خارجية حادة. هذه التحديات في مساحة منها تواجهها كثير من دول العالم، لكنها في حالة الجماعة الأوروبية لها حضورها الخاص، من واقع وزنها السياسي والاقتصادي في النظام العالمي وعلاقاتها العالمية الموروثة من المرحلة الاستعمارية. تواجه الجماعة تحدي تفكك النظام الاقتصادي العالمي، تحت تأثير النزعة الحمائية المتصاعدة والحروب التجارية الجارية وامتدادات أزمة 2009 العالمية، والتوسع الاقتصادي الصيني الهائل الذي يعيد ترتيب موازين الاقتصاد العالمي.
وتواجه الجماعة على المستوى السياسي عدة تحديات. تحدي نمو النزعة الأمريكية الأحادية، المصحوب بتوسع النزعة التدخلية الروسية. وتحدي التفكيك الأمريكي المخطط لأطر التعاون الدولي كما نرصدها في مؤسسات الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية العامة مثل اتفاقية المناخ واتفاقية الحد من الصواريخ متوسطة المدى، والتوافقات الدولية المستقرة المنظمة للتعامل مع الأزمات الإقليمية مثل أزمة الشرق الأوسط والمشروع النووي الإيراني والقرم والتهديد النووي الكوري الشمالي.
كما تواجه تحدي التحولات المناخية والبيئية، عبر تكييف أنماط النمو مع مقتضيات السلامة البيئية، والحفاظ على وتطوير الأطر التعاهدية المنظمة للالتزامات البيئية الدولية. وكل هذه التحديات تتطلب تطوير الأطر المنظمة لعمل الاتحاد الأوروبي، ونقل فعالية هذه الأطر من المجال الأوروبي الداخلي إلى المجال الدولي، وتحرير الدور الأوروبي من هيمنة الدور الأمريكي.
ويأتي السياق الثاني مدعما لمنطق السياق الأول ومناقضا لمنطق السياق الثالث. لاحظ معلق سياسي أن ارتفاع نسبة الإقبال، تشير إلى تصاعد الوعي الأوروبي لدي الناخبين، وتحرك الناخبين من منطلق الإحساس بالذات الأوروبية الواحدة. وأضاف نفس المعلق أن تحليل النتائج يخبرنا أن حوالي ثلثي البرلمان الجديد مناصر للاتحاد الأوروبي، أي لا ينتمي إلى ما درج على دعوته بتيار الشكوكية الأوروبية وهو مصطلح يستخدم للإشارة إلى التيارات المعادية للكيان الاتحادي أو المطالبة بإخضاعه للرؤية التقليدية للسيادة القومية. لكنه لاحظ أيضا أن تلك الأغلبية تتسم بالتشظي وفقا للتيارات القاعدية التي تنتمي إليها. ولاحظ معلق ثان أن كون البرلمان هو الهيئة الاتحادية الوحيدة المنتخبة شعبيا، يمنحنا مؤشر على قوة التيار الأوروبي على مستوى القواعد الشعبية، وعلى مدى تجذر تيار الشكوكية. ورصد معلق ثالث أن ارتفاع نسبة المصوتين في سن الشباب، وعلى الأخص داخل الفئات المؤيدة لجماعات الخضر واتساع أجندتها لما هو أوسع من البيئة في سياق عمليات الحشد والنمو التنظيمي، يشير إلى تحولات كيفية داخل التيار الأوروبي.
وسنجد السياق الثالث في التيارات القاعدية والسياسية المناهضة للمشروع الأوروبي الاتحادي. جرى العرف على دعوة هذه التيارات بالشعبوية، ولكنها تحظى بمسميات أخرى تعكس تنوعها الداخلي، مثل اليمين المتطرف والنزعة القومية والشكوكية الأوروبية. صعد هذا التيار تحت تأثير أزمة دولة الرفاهية ومعها تراجع قوة التيارات السياسية الأساسية، ومن بعدها التداعيات السلبية لليبرالية الجديدة والعولمة على الفئات الاجتماعية الوسطى والصغيرة، وتدفق المهاجرون من الدول غير الأوروبية ومعهم أنماط ثقافية غريبة، ونمو النزعات التحررية في المجالات الحقوقية وتأثيراتها على الثقافات والقيم التقليدية، ونمو المشروع الأوروبي الاندماجي والهجرة الأوروبية التي اطلقها بتأثيراتها على الثقافة وقوة العمل الوطنية. وقادت تلك العوامل إلى إفراز نزعة قومية شعبوية يمينية، تعادي المؤسسات الديموقراطية والنخب السياسية وتروج لمفاهيم الشعب والزعيم والممارسة العفوية، وتعلي من مفهوم الدولة القومية ومعها السيادة الوطنية والحدود المغلقة والحمائية التجارية ومعاداة الأجانب ووحدة الثقافة القومية. وكانت النتيجة المنطقية اتخاذ موقف ناقد للمشروع الاندماجي الأوروبي. وسوف يكون من الصعب أن نضع هذا النقد في سلة واحدة. فهناك من يرفض الاتحاد كله ويطالب بالخروج منه، وتلك هي ما تدعى بالشكوكية الصلبة. وهناك من يقبل الاتحاد لكنه يراه مؤسسة مسرفة في انتهاكها للسيادة القومية، وفي حاجة إلى إصلاح يخفف من مركزيتها وبيروقراطيتها ويضبط صلاحياتها في إطار السيادة القومية. وتلك هي ما تدعى بالشكوكية الناعمة.
ويمكننا أن نقرأ المسارات السابقة داخل النتائج الأساسية للانتخابات. يجمع المحللون على ثلاث نتائج أساسية:
تراجع في قوة ما يدعونه بالتيار الأساسي داخل البرلمان، لكنه تراجع لم يقترب من تخوم الأزمة. وصعود في قوة أحزاب وجماعات الخضر، لكنه لا يقترب من الطفرة. وتقدم في قوة الأحزاب الشعبوية، لكنه محدود لا يعبر عن انقلاب في موازين القوى.
فلنبدأ بالنتيجة الأولى: على مدى سنوات طويلة سيطر على البرلمان أحزاب وقوى الوسط بجناحيها اليمين واليساري. كان يمين الوسط ممثلا في «حزب الشعب الأوروبي»، بينما مثل يسار الوسط « التحالف التقدمي للاشتراكيين والديموقراطيين في أوروبا». حصل حزب الشعب الأوروبي على 180 مقعدا بنسبة 24% من إجمالي المقاعد البالغ 751، بينما حصد 217 مقعدا في انتخابات 2014. وحصل التحالف التقدمي على 153 مقعدا بنسبة 20.37%، بينما حقق في الانتخاب السابقة 186 مقعدا. والحاصل أن تحالف الوسط حقق 333 مقعدا بنسبة 44.37% من مقاعد البرلمان، وفقد سبعين من المقاعد من مقاعده السابقة ومعها أغلبية البرلمان التي سيطر عليها منذ 1999. وهذا التراجع ليس مفاجأة فنحن يمكننا رصد مقدماته على مدى السنوات السابقة. وشهدت أحزاب الوسط الحاكمة نفس التراجع في بعض البلدان. في ألمانيا فقد تحالف الوسط الحاكم أغلبية الأصوات، فحقق الديموقراطيون المسيحيون 29% أي أقل بنسبة 6% من انتخابات 2014، وفاز الديموقراطيون الاجتماعيون بنسبة 16% أي اقل 11% من الانتخابات السابقة. وفي فرنسا تقهقر حزب ماكرون الوسطي الحاكم « الجمهورية إلى الأمام» محققا 22.4%.
خلال السنوات الفاصلة بين هذه الانتخابات وانتخابات 2014، نجحت الأحزاب الشعبوية في السيطرة على الحكومات القومية في المجر وإيطاليا وبولندا، والدخول في انتخابات إعادة رئاسية في فرنسا. وفي انتخابات 2014 الأوروبية حصلت الأحزاب الشعبوية على 20% من مقاعد البرلمان، ثم تمكنت من رفع النسبة في الانتخابات الأخيرة إلى 25%. حقق الشعبويون أعلى المعدلات في فرنسا، حيث فاز حزب لوبان »التجمع الوطني» بنسبة 23.3%، وفي بريطانيا حيث حصل حزب بريكست بزعامة نايجل فاراج على 33%، وفي إيطاليا كسب التحالف الشعبوي الحاكم 42 مقعدا وكانت في الانتخابات السابقة 8 فقط، وفي بولندا حقق حزب القانون والعدالة الحاكم 46% من الأصوات، وفي المجر حصد حزب فيديس الشعبوي الحاكم53%. ولكن تلك هي حالات التقدم الاستثنائي ونصفها بلدان تسلطية يحكمها الشعبويون، وكانت نسب نجاحهم في بلدان أخرى أقل كثيرا، بل انهم في هولندا هزموا هزيمة مؤثرة بفقدان حزب جيرت ويلدرز كل مقاعده البرلمانية.
لكن التقدم الشعبوي ترد عليه ملاحظات. فهو أقل كثيرا مما خططت له الأحزاب الشعبوية ومما توقعه خصومها. ومجمل ما حققوه من مقاعد لا يمكنهم من فرض أجندة تشريعية، لكنه يمكنهم من لعب دور القوة المعوقة للأغلبية. كما أن نفوذهم التشريعي ليس شرطا أن يترجم إلى تأثير تشريعي، لأنهم ذوي توجهات وأولويات متباينة في الكثير من القضايا مثل روسيا والميزانية الاتحادية، وبالتالي سيكون من الصعب عليها أن تشكل جبهة مؤثرة. كانت القفزة التي حققتها الجماعات الخضراء هي مفاجئة الانتخابات الحقيقية والإيجابية. تمكن الخضر من مضاعفة أصواتهم إلى 20.6% وكانت 10.6% في انتخابات 2014. وحقق الخضر أعلى المعدلات في ألمانيا، فاحتلوا المرتبة الثانية بنسبة 20.5%، وبزيادة 10% عن الانتخابات السابقة. وفي فرنسا احتلوا المرتبة الثالثة بنسبة 13.5%، أي ضعف ما حققوا في الانتخابات السابقة. واحتلوا في بريطانيا المركز الثاني بعد حزب بريكست وكسبوا 7 مقاعد. وخلف هذا الصعود الأخضر سنجد عدة عوامل. انحسار قوة التيار الوسطي، وزعر الناخبين من الصعود الشعبوي، وقدرة الخضر على تطوير أساليبهم التعبوية للشباب، والأزمات المناخية التي شهدتها أوروبا الصيف الماضي، وصعود الوعي المناخي الدولي في مواجهة السياسة الأمريكية، وبحث الطبقة الوسطى الأوروبية عن مثالية جديدة ومعتدلة، وتحولات ذاتية داخل الخضر على مستوى الوعي والتنظيم جعلت خطابهم أكثر اتساعا من البيئة وحركتهم أكثر تنظيما.
ماهي التحديات التي سيطرحها هذا التكوين الجديد للبرلمان الأوروبي؟
تحديات كثيرة يتصدرها ويسبقها تحدي تكوين أغلبية برلمانية جديدة. ومن قراءة المشهد السياسي ومدى التقارب بين القوى السياسية، من المرجح أن يسعى التيار الأساسي بعد فقدانه للأغلبية إلى تكوين ما يدعوه بعض المراقبين «تحالف كبير جدا» مع قوتين: الخضر الذين يكسبوا 70 مقعدا، وتحالف الديمقراطيين والليبراليين الذين كسبوا 109 مقاعد. ومثل هذا التحالف سيحمل معه بالتأكيد خيارات أيديولوجية جديدة