أوروبا في مفترق طرق

د. أحمد سيد أحمد –

شهدت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2019 العديد من المفاجآت التي من شأنها أن تؤثر على مستقبل الاتحاد الأوروبي مع وجود خريطة سياسية جديدة وتزايد حدة الاستقطاب بين أنصار الوحدة وبين التيارات والحركات المناهضة للوحدة الأوروبية خاصة من جانب تيارات اليمين المتطرف والتيارات والأحزاب الشعبوية.
ويمكن أن القول أن تلك الانتخابات أفرزت العديد من الظواهر والمؤشرات المهمة وعكست العديد من الدلالات وأبرزها:
أولا: ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات لأول مرة منذ 20 عاما، حيث حققت انتخابات البرلمان الأوروبي لـ 2019 أعلى نسبة مشاركة من جانب الأوروبيين، فقد بلغت متوسط المشاركة حوالى 51% حيث شارك فيها 217 مليون شخص من أصل 427 مليون ناخب لانتخاب 751 نائبا في البرلمان الأوروبي لولاية مدتها خمس سنوات، وتعود نسبة المشاركة المرتفعة إلى تزايد حدة الاستقطاب بين أنصار الاتحاد الأوروبي والوحدة الذين حشدوا صفوفهم لتشكيل حائط صد لوقف زحف وصعود تيارات اليمين والتيارات الشعبوية والتي بدورها قامت باستنفار أنصارها لتعظيم نفوذها ومكانتها في البرلمان الأوروبي، كما ساهم الاهتمام الإعلامي الكبير بالانتخابات في استنفار الأحزاب المختلفة لحشد مناصريها، وهو ما عكس إدراك أنصار الوحدة الأوروبية بأن مستقبل أوروبا على المحك مع صعود التيارات الشعبوية واليمين المتطرف.
ثانيا: شهدت خريطة الانتخابات تغيرات مهمة، حيث عكست النتائج صعود تيارات وأحزاب اليمين المتطرف وتراجع الأحزاب التقليدية من اليمين والاشتراكيين والليبراليين، كما برزت المفاجأة أيضا في صعود أحزاب الخضر، أي الأحزاب المؤيدة للحفاظ على البيئة، فقد حصلت أحزاب المحافظين على المرتبة الأولى بـ 173 مقعدا رغم خسارتها لـ 43 حيث حصلت على 216 مقعدا في انتخابات 2014. وفي المرتبة الثانية جاءت كتلة الأحزاب الاشتراكية بـ 147 مقعدا وقد خسرت 37 مقعدا حيث حصلت على 184 مقعدا في انتخابات 2014، ورغم خسارتها إلى أنها حافظت على الصدارة في البرلمان الأوروبي لكن في المقابل لن تستطيع تلك الأحزاب، المحافظين والاشتراكيين، تشكيل الأغلبية التي استطاعا تشكيلها في السابق، وبالتالي سيسعيان لعقد تحالفات مع كتل أخرى أبرزها كتلة الأحزاب الليبرالية التي حصلت على107 مقاعد، وهو ما يؤثر بشكل كبير على اختيار المناصب الرئيسية في الاتحاد الأوروبي مثل منصب رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي ومسؤول السياسة الخارجية وغيرها، ويجعل عملية تشكيل تلك المناصب تخضع للمساومات وتقديم التنازلات المختلفة بما يؤثر على شكل السياسات الأوروبية في المستقبل. وفى المقابل شهدت تلك الانتخابات صعود واضح للكتلة التي تضم الأحزاب والتيارات الشعبوية واليمين المتطرف والأحزاب القومية ومن أبرزها التجمع الوطني الفرنسي بزعامة مارين لوبان وحزب الرابطة الإيطالي بزعامة ماتيو سالفيني وأحزاب البريكست في بريطانيا، وهذه الأحزاب مناهضة بشكل واضح للاتحاد الأوروبي وللمشاريع الأوروبية التي يطرحها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، فقد حصلت على 57 مقعدا بزيادة 20 مقعدا، مقارنة ب37 مقعدا حصلت عليها في انتخابات 2014. لكن رغم النتائج التي حققتها التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة، لكنها لن تستطيع تشكيل غالبية في البرلمان الأوروبي ولن تستطيع عرقلة عمله وتشريعاته المختلفة.
ورغم ذلك فإن ارتفاع نسبة الشعبويين واليمين المتطرف داخل الاتحاد الأوروبي يرجع إلى فشل الأحزاب التقليدية من اليمين والاشتراكيين والليبراليين في تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحقق طموحات وآمال الأوروبيين، مع ارتفاع معدلات البطالة في الكثير من دول الاتحاد الأوروبي وتراجع أوضاعها الاقتصادية إضافة إلى سياسات التقشف التي تنتهجها في المجالات الاجتماعية والرعاية الصحية والخدمات وغيرها والتي كانت تعرف بدولة الرفاه حيث تقدم إعانات اجتماعية كبيرة للأفراد الذين يعانون من البطالة، إضافة إلى تزايد مشكلات الهجرة غير المشروعة ومشكلة اللاجئين والتي زادت بشكل كبير لأوروبا في السنوات الأخيرة نتيجة للصراعات والحروب في الشرق الأوسط إضافة إلى الهجرة غير المشروعة القادمة من أفريقيا عبر سواحل البحر الأبيض المتوسط، كذلك تصاعد ظاهرة الإرهاب في أوروبا خلال الأعوام الماضية بعد التفجيرات التي شهدتها العديد من الدول الأوروبية وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليتها عنها، وقد سعى اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية إلى توظيف تلك المشكلات الاقتصادية ومشكلات الهجرة والإرهاب في تدعيم صعوده في الحياة السياسية الأوروبية، ولذلك فإن صعود تلك الأحزاب اليمنية المتطرفة يمثل تهديد للاتحاد الأوروبي ولتيار الوحدة. فصعود تلك التيارات المتطرفة والشعبوية في البرلمان الأوروبي هو امتداد لصعودها في برلماناتها المحلية، بل وصعدت الأحزاب اليمنية المتطرفة والشعبوية إلى السلطة في العديد من الدول الأوروبية خلال الأعوام الخمسة الأخيرة كما حدث في إيطاليا عبر حزب رابطة الشمال وحركة خمس نجوم وحزب البديل في ألمانيا والأحزاب المتطرفة في هولندا والنمسا، وبالتالي أصبحت صعود تلك الأحزاب ظاهرة متنامية في أوروبا.
صعود اليمين المتطرف داخل البرلمانات المحلية الأوروبية وداخل البرلمان الأوروبي من شأنه أن يؤدى إلى العديد من التداعيات السلبية أبرزها صياغة قوانين وتشريعات من جانب البرلمان الأوروبي تقيد الهجرة إلى دول الاتحاد واتخاذ إجراءات متشددة ضد المهاجرين واللاجئين الموجودين بالفعل داخل الاتحاد، كما أن وجود كتلة من مقاعد اليمين المتطرف داخل البرلمان الأوروبي يمكن أن يؤثر أيضا على تشريعات قوانين تعزيز الاتحاد الأوروبي والوحدة الأوروبية ويزيد من حالة الاستقطاب والانقسام داخل القارة الأوروبية وهو ما ينعكس سلبا على مسيرة الاتحاد الأوروبي الوحدوية، خاصة أن مستقبل الاتحاد ذاته على المحك بعد استفتاء الخروج البريطانى، ورغم أن عملية الخروج، البريكست ما زالت متعثرة منذ عامين، إلا أنها تمثل مؤشرا خطيرا على حجم التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في ظل صعود وتنامى التيارات والأحزاب المؤيدة للخروج من منه على غرار بريطانيا في ظل معاناة العديد من دول الاتحاد من الصعوبات الاقتصادية مثل أسبانيا وإيطاليا واليونان، بل أن فرنسا والتي تعد إلى جانب ألمانيا بمثابة القاطرة التي تقود الاتحاد الأوروبي، تواجه مشكلات اقتصادية داخلية كبيرة عكستها مظاهرات واحتجاجات حركة السترات السفراء رفضا للسياسات الاقتصادية الإصلاحية التي يتبناها الرئيس ماكرون، كما أن الاتحاد الأوروبي الذي ظل نموذجا يحتذى في الوحدة الاقتصادية، مع فشل وتعثر العديد من التكتلات الاقتصادية الدولية، أصبح في مهب الريح في ظل التحديات الكبيرة الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهه.
لذلك فإن تراجع الأحزاب التقليدية التي سيطرت على المشهد الأوروبي لأكثر من أربعة عقود وصعود التيارات الشعبوية واليمين المتطرف يمثل جرس إنذار واضحا ويتطلب من الأحزاب التقليدية خاصة المؤيدة للوحدة الأوروبية ولسياسات الانفتاح والعولمة، من الأحزاب الاشتراكية وأحزاب المحافظين، أن تعيد هيكلة السياسات الأوروبية خاصة في المجال الاقتصادي من خلال تبنى حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمشروعات التنموية والاستثمارات التي تساهم في إنعاش الاقتصاد الأوروبي، كذلك تبنى حزمة من الإصلاح والقوانين الأوروبية التي تعزز الانفتاح الثقافى والتسامح فيما يتعلق بالتعامل مع المهاجرين والأقليات الدينية وغيرها وتعزيز القيم الأوروبية التقليدية لوقف تمدد اليمين المتطرف بقيمه المناهضة للعولمة والداعية لوضع الحواجز الجمركية وتعزيز سيادة الدولة القومية في مواجهة الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى سياساته العدائية تجاه الأقليات والمهاجرين واللاجئين وتبنى قيم متطرفة ضد التعايش والتسامح والتي بدورها تغذى ثقافة الكراهية في العالم وتؤدي إلى مزيد من الصراعات والقتل كما رأينا فى الهجوم على مسجدين للمسلمين نيوزلندا ومقتل أكثر من خمسين شخص.
وبالتالي بعد نتائج الانتخابات البرلمانات الأوروبي تقف أوروبا اليوم في مفترق طرق كبير فإما تعزيز الوحدة الاقتصادية والقيم الأوروبية في التعايش وإما استمرار صعود التيارات الشعبوية واليمين المتطرف والتي تهدد بانهيار تكتل الاتحاد الأوروبي وتبخر حلم الوحدة الذي استمر لأربعة عقود.