«الإسلاموفوبيا» وأثرها على مُسلمي فرنسا

الطيّب ولد العروسي*

يلحظ المهتمّون بموضوع الإسلام في فرنسا، نموّاً مُربكاً ومحيّراً لظاهرة «التعصّب ضدّ الإسلام»، وقد بدأوا يشيرون إلى هذا النموّ الذي لا يني يتفاقم منذ العام 2003، حيث راح يتغلغل في معظم الفضاءات (المستشفيات، المدرسة، الشرطة، الإدارة، الأماكن العامّة، وسائل السفر…) ليغدو ظاهرة خطيرة جلّ ضحاياها من الجالية الإسلاميّة، وبخاصّة المرأة المحجّبة التي تعاني من هذه الظاهرة بأكثر ممّا يعانيه الرجل، لأنّها ترافق أبناءها إلى المدرسة أو عند الطبيب أو إلى الحدائق العامّة.
ولسوء الحظّ، انتقلت هذه الظاهرة حتّى إلى ما يسمّى «الفضاءات العالِمة» كمُختبرات البحث، والجامعة، والمؤسّسات الثقافيّة، ما أَجبر بعض ضحايا الإسلاموفوبيا على العيش على الدوام في جوّ من الخوف المُتواصل، وفي حالات نفسيّة مضطربة. هذه الأوضاع التي خلقتها ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوساط المُسلمين، حملت عدداً كبيراً من المفكّرين والباحثين الجامعيّين والأكاديميّين والمحلّلين النفسيّين والناشطين السياسيّين والحقوقيّين على الاهتمام بها كموضوع للدراسة السوسيولوجيّة والاجتماعيّة، كما دفعت بالكثيرين إلى تكوين جمعيّات للدفاع عن ضحايا الإسلاموفوبيا. ونذكر من هذه الجمعيّات، على سبيل المثال، «التجمّع ضدّ الإسلاموفوبيا»، الذي تأسَّس في العام 2003، وضمَّ حقوقيّين ومُساعدين اجتماعيّين وإعلاميّين وعُلماء اجتماع انصبّ اهتمامهم على حماية ضحايا الإسلاموفوبيا على كامل التراب الفرنسي.
ثمّة محاولات كثيرة لتفكيك ظاهرة التعصّب التي تزداد نموّاً في بلادٍ تضمّ العديد من الجاليات والأقليّات ذات الديانات المُختلفة، وبخاصّة التعصّب الذي تشكّل ونما ضدّ الإسلام والمُسلمين؛ فمن مآثر «التجمّع ضدّ الإسلاموفوبيا» أنّه يُصدِر تقريراً سنويّاً يتضمّن جردا كاملا بكميّة الأحداث التي يذهب ضحيّتها مسلمون، ويوثّق تلك الأحداث ويصنّفها، ويُحيلها برسم العدالة الفرنسيّة والقضاء الفرنسي، ويعرض ضحاياها على الأطبّاء النفسانيّين لمؤازرتهم وإخراجهم من الصدمات والأعراض التي يعانون منها هُم وأطفالهم بعد تعرّضهم لأشكالٍ من التهميش والعنف والتمييز العنصري والإهانات المُتلاحقة.
يقدّم «التجمّع ضدّ الإسلاموفوبيا» إحصاءات سنويّة بعدد ضحايا الإسلاموفوبيا. وأشار التقرير السنوي الصادر عن هذا التجمّع في العام الماضي إلى أنّ عدد الضحايا زاد بنسبة 55 في المائة في الإدارات العامّة. كما يؤكِّد التقرير نفسه أنّ أتباع هذا التعصّب زادوا بنسبة 52 في المائة (مقارنةً بعددهم في العام 2017) حيث سجَّل التجمُّع 446 حادثة في العام 2017، و676 سنة 2018، و20 في المائة اعتداءات بالشتم و568 عمليّة عنصريّة. ويؤكِّد التقرير كذلك أنّ الضحايا النساء يُصَبْنَ بالأرق وتظهر عليهنّ أعراض نفسيّة تتسبّب لهن بكوابيس متواصلة. ويشير التقرير إلى أنّ هذه الزيادة تعود إلى أسباب مختلفة، أهمّها ثلاثة هي: الأحداث الجارية في العالَم العربي الإسلامي، والأحداث التي وقعت في فرنسا سنة 2015، ولهجة الخطاب العدواني ضدّ المُسلمين من طرف الحركات السياسيّة والأحزاب المتطرّفة في فرنسا، وذلك «من دون أن يكون للسلطات الفرنسيّة العامّة أيّ ردّ فعل على ذلك الخطاب».
يعتمد التجمّع في إحصاءاته على شبكاته الموزَّعة على كامل التراب الفرنسي. وتتكوّن هذه الشبكات من متطوّعين ومتطوّعات. ويُشدّد تقرير التجمّع، من خلال الأرقام الواردة فيها، على أنّ الضحيّة الأولى للتمييز العنصري في فرنسا هي المرأة المُسلمة. كما يشير التقرير السنوي الصادر عن التجمّع (التقرير الخامس عشر 2019) إلى أنّه صدر هذه السنة تزامناً مع تفعيل قانون 2004 الذي يمنع ارتداء الإشارات والأزياء والعلامات الدينيّة في المَدارس الحكوميّة. كما يؤكِّد على أنّ بعض الأحداث التي كان بعض المتعصّبين يرتكبونها، أصبحت شبه عاديّة بالنسبة إلى النساء اللّواتي يرتدين اللّباس الفضفاض الطويل، ويغطّين رؤوسهنّ بحجاب خفيف.
غير أنّ اعتداءاتٍ من نمط جديد أخذت تظهر وتتفشّى، وبخاصّة في الإدارات وأجهزة الرقابة البوليسيّة، كتكوين ملفّات سريّة بالأشخاص، وهي الملفّات المعروفة باسم «فيشييه إس» (Fichier S) وعلى نحوٍ تعسفي، إذ يوضَع المُتَّهم أو المُتَّهمة تحت الرقابة المشدّدة إلى زمنٍ غير محدَّد. وهناك أيضاً التعطيل الإداري في منْح أوراق الإقامة أو احتجاز جوازات السفر من دون سبب قضائي أو إداري. وقد لاحظَ بعض المُنتسبين إلى التجمّع أنّ بعض الأُسر تُلاحَق في حياتها اليوميّة وتُراقَب عن كثب، من دون أن يكون ثمّة سببٌ موجِب لذلك، وتلك تجاوزات غير قانونيّة وغير مقبولة. كما لاحظوا أنّ بعض المَدارس تُعامل أطفالَ الجالية الإسلاميّة بسلطة فوقيّة فتُرغمهم على تناول أنواع اللّحوم من دون مُراعاة رغبات أوليائهم، ولا حتّى رغباتهم هُم، ومن دون أن يقدِّموا لهم بدائل طالَبت بها الأُسر.
كما لاحظَ المشرفون على التقارير الصادرة عن «التجمّع ضدّ الإسلاموفوبيا» منذ سنوات، أنّ النساء اللّواتي يتنزّهْنَ على شاطئ البحر مرتدياتٍ حجاباً عاديّاً، يتعرّضن للمنْع من النزهة، ما حملَ بعضهنّ على رفع شكاوى أمام القضاء الذي اتّخذ قرارات أجبرت بعض رؤساء البلديّات على الكفّ عن تلك المُمارسات التعسفيّة التي بلغت حدّاً في فرنسا جعل منها الدولة الأولى في أوروبا التي تُمارس عدوانيّة تجاه المرأة المُسلمة. حتّى أنّ بعض المثقّفين والإعلاميّين الفرنسيّين أعلنوا مواقفهم الإسلاموفبيّة على الملأ، بل إنّ بعض الكُتّاب والروائيّين أشادوا في كِتاباتهم بهذا العداء، على الرّغم من بعض ردود الفعل المُتفاوتة التي لاقتها تلك الكِتابات.
يسجِّل التقرير (في الصفحة 23) بعض شهادات المُحجّبات اللّواتي يتعرّضن للكراهيّة « إنّ ارتداء الحجاب بات أشبه بمُغامرة خطيرة، يجب أن تكون المرأة قويّة». و« ثمّة نساء ينزعْنَ صاغرات حِجابَهنّ في العمل ويعِشْنَ في وضعٍ نفسيّ صعب، وأنا خائفة على ابنتي، أراها تكبر، ولا أريدها أن تعرف مَساري نفسه».
رأي عُلماء النَّفس «التجمّع ضدّ الإسلاموفوبيا» مجالٌ رحبٌ لاستقبال ضحايا الإسلاموفوبيا، ومساعدتهم قانونيّاً، وبخاصّة النساء للدفاع عن حقوقهنّ كونهنّ مُسلمات، حيث يرى بعض المُحلّلين أنّ الإسلاموفوبيا تعتمد الصور النمطيّة في ما يُقال حول المرأة المُسلمة، وتتلخّص في مجموعة من المُعتقدات يبني الإنسان الأوروبي أفكاره ومواقفه عليها، ما جعلَ العنصريّة المؤسّساتيّة نتيجة لفَهمٍ أيديولوجي متطرّف لمفهوم العلمانيّة، أثَّرت فيه أفكار اليمين العنصري.
ذلك كلّه بات يدفع المرأة المُسلمة إلى تقديم شكوى احترازيّة، لأنّ الإدارة يُمكن أن تلفّق لها اتّهامات نفسانيّة تستدعي انتزاع أولادها منها «حرصاً على سلامتهم ومستقبلهم»، بحسب شهادة إحدى الضحايا: «إنّنا نعيش وضعاً لا يسمح لنا بأن نكون مع الناس الذين ينظرون إلينا بعَين الرّيبة. يتصل بي أصدقاء وأرفض اللّقاء بهم. لقد حاوَلت أمي أن تساعدني، لكنّ ذلك كان فوق طاقتي، لا أحسّ بالأمان، ولا بأنّ الدولة تحميني. أنا فرنسيّة، لكنّ فرنسا همّشتني. صرتُ أخاف حتّى ممّا يسمّى بالقضاء». ومن شهادة ضحيّة أخرى، نقرأ في التقرير: « إنّ المجتمع الفرنسي يَعتبر اليوم المُواطن الفرنسي من الديانة الإسلاميّة خطراً يجب مُعالجته من أجل أمن البلاد»؛ كما نقرأ الفقرة التالية من حوارٍ بين طبيب وأمّ مُسلمة: الطبيب: «يجب الاستغناء عن حجابك». الأمّ: «أوه، لماذا؟ جئت من أجل ابني فما علاقة الحجاب بذلك؟»؛ الطبيب: «نحن في فرنسا، ويُمكن أنّك تخبئين تحت الحجاب بعض الأشياء الخطرة». الأمّ: «أنا مسلمة ولست إرهابيّة». الطبيب: « إنّنا نعيش في فرنسا، وربّما تحملين أسلحة، لذا يجب الاستغناء عن الحجاب». ويؤكّد التقرير أنّ «عُلماء النَّفس يجزمون بأنّ تصرّفات كهذه تؤثّر على المرأة وعلى أطفالها، لأنّ العنف اللّفظي، مع الوقت، يولّد انعكاسات تؤدّي إلى أمراضٍ نفسيّة، وإلى تدهورٍ عصبي، ويولّد مشكلات صحيّة واجتماعيّة ومدرسيّة، وأنّ العنف لدى الأطفال هو تجربة توجِّه تفكيرهم وسلوكهم».
وأغلب الضحايا النساء يعِشْنَ في العزلة إذ تنعكس حالاتهم على أطفالهم في المدرسة وفي الحياة اليوميّة، في حين أنّه يفترَضُ بالإدارة الفرنسيّة أن «تسيّرها قوانين إداريّة وأخلاقيّة على كلّ مسؤول إداري احترامها وعدم تجاوزها، بل والسهر على معاملة الموظّفين والموظّفات بالمساواة التي يقوم عليها الدستور الفرنسي».
يخلص التقرير إلى التأكيد على الاهتمام، وبسرعة، بظاهرة الإسلاموفوبيا من قبل المؤسّسات السياسيّة العامّة، لأنّ انعكاساتها المُتزايدة خَلقت شرخاً في المجتمع الفرنسي بين مُواطنيه ومواطناته. ويستشهد التقرير بكلامٍ لمدير منشورات «لاديكوفيرت» يقول فيه: « المثقّفون الإعلاميّون يسهمون في نشر الإسلاموفوبيا في الوسط الفرنسي، مُعتمدين على صور نمطيّة حول المُسلمين المُعرَّضين في كثير من الأوقات للّجوء إلى الحركات الراديكاليّة».


*كاتب جزائري مُقيم في باريس – المقال ينشر بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي