العرب والتنوير في العصر الحديث

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

أحد أهم الأسئلة التي تقابل المرء هذه الأيام، لا سيما ونحن في ظلال تغيرات كونية مثيرة تكاد تقترب بالاختصام من مساحات الليبرالية والتنوير حول العالم، هو ذاك المتعلق بالحداثة والتنوير في العالم العربي الحديث.

السطور التالية يمكن القطع بأنها موصولة ولا شك بدرجة أو بأخرى مع القراءات السابقة التي قدمناها خلال شهر رمضان الفضيل، حيث توقفنا مع العالم العربي القديم، والحضارة العربية التي سادت قرون طويلة، من جراء رؤى تنويرية حقيقية، جعلت أضواء التنوير تشرق على العالم برمته، وذلك قبل أن ينسحب الظلام ومن جديد في عصور الانسداد التاريخي، والتي نحاول جاهدين الخروج من اسرها، والفكاك من أقدارها.
حديث التنوير في العالم العربي المعاصر، يمكن التاريخ له في واقع الأمر من عند القرن الثامن عشر تحديدا، وقد كانت الحملة الفرنسية على مصر خصيصا (1798-1801) منطلقا لهذا التنوير، فعلى الرغم من أن جوهرها في حد ذاته هو احتلال عسكري حماية وحفاظا لمصالح فرنسا في الشرق في مواجهة المنافسة مع انجلترا، إلا أن هناك وجها آخرا كان يتبدى من وراء الأكمة، وهو ذاك المعروف بالأبعاد العلمية لتلك الحملة، فقد اصطحب نابليون بونابرت معه عدة مئات من العلماء الفرنسيين في كافة التخصصات، وعلى أيدي بعض من علماء تلك الحملة تم الكشف عن حجر رشيد، والذي قاد لاحقا إلى معرفة لغة المصريين القدماء أي الهيروغليفية وقد كان الأمر فتحا تاريخيا معرفيا ولا شك.
غير أن المصريين قد خبروا أشكالا وأنواعا من التقدم التكنولوجي بلغة أيامنا لم يكن لهم ولا لغيرهم من شعوب الشرق دالة عليها، مثل الكيمياء والفيزياء في طبعاتها الحديثة، ناهيك عن الأسلحة الفتاكة التي راؤها للمرة الأولى مع الجنود الفرنسيين، وطرق القتال الحديثة، وصولا أيضا إلى طريقة التعامل الاقتصادي بعملات حديثة، وبخلاف فكرة الذهب التي لم يكن الشرق يعرف سواها، ثم رسم الخرائط وإقامة الحدود والولايات، وحتى الانفتاح على أداب وعلوم الفرنسيين.
ولد مشهد تلك الحملة تساؤلات جوهرية في أدمغة المصريين والعرب من خلفهم، وكانت هزيمة الفرنسيين عبر حملة فريزر الإنجليزية بعد ثلاث سنوات من الحملة الفرنسية، نهاية زمن قصير فرنسي، لكن الأسئلة وكما يقال هو مولدات الفكر الإنساني، ومن هذا المنطلق كان الجميع يسعى إلى معرفة الأسباب والمنطلقات التي دعت أوروبا للتقدم، في حين كانت فترات العثمانيين والمماليك وبالا على مصر وبقية العالم العربي.
أسئلة التنوير ربما هي التي دفعت والي مصر الحديثة «محمد علي» باشا للتطلع من حوله، والإيقان بان الانفتاح على الأمم والشعوب المجاورة، في الأرض الكبيرة أو الواسعة، أي أوروبا، كما كان العرب يسمونها في ذلك الحين هو درب التنوير، ومن هنا بدأت علامات التنوير الحديثة عبر البعثات التي أرسلها الوالي (التقدمي) كما يقول أهل اليسار، تهل على ربوع مصر المحروسة، وقد كانت رائدة في محيطها العربي في ذلك الوقت، ومنها كان البعض في إقليم البحر الأبيض المتوسط يراقب ويتطلع.
والشاهد أن تجربة محمد علي لم يقدر لها أن تمضي طويلا، وبعيدا عن فكر المؤامرة الذي يذهب إلى أن الغرب لم يكن يريد لمصر ولا للعالم العربي أن ينهض، فان واحدا من المصريين الذين ارسلوا إلى أوروبا في عهد محمد علي، كان قد اشعل سراج التنوير العربي الحديث.. ماذا عن هذا ؟ كان أول عين رأت لنا الحضارة الغربية الحديثة، وأول من نفخ في بوق القرن إيذانا بمرحلة الانتقال لحضارتنا من حقبة الجمود إلى عصر اليقظة والتجديد، كما كان أيضا نموذج القلق الذي تمثل في عقل الأمة ووجدانها، لا سيما عندما قارنت بين تخلفها الموروث وبين الوافد الغربي، بما فيه من نافع وضار.
حكما أننا نتحدث عن الشيخ المصري «رفاعة رافع الطهطاوي» المولود في صعيد مصر أي جنوبها العام 1801، والذي ستشاء الأقدار لاحقا أن يكون الإمام والواعظ خلال خمس سنوات لبعثة مصرية من بعثات محمد علي، حيث ذهب إلى هناك كي يتلو القران ويعظ الطلاب ويؤمهم في الصلاة، ومن هنا للمرء أن يتحدث عن مصادفات القدر، فلم يكن رفاعة مبتعثا في الأصل لذاته حتى يحقق تحريكا للمياه الراكدة في عقول المصريين والعرب، ولكنه كان على الهامش من البعثة، وتشاء الأقدار أن يعود منها كي يترجم علوم الحضارة الأوروبية وفنونها، ويؤم الشرق العربي والإسلامي في تخطي عصور التخلف، والولوج إلى رحاب عصر التنوير.
في عمله الجزيل القيمة «رفاعة الطهطاوي.. رائد التنوير في العصر الحديث»، يقودنا المفكر المصري الدكتور «محمد عمارة « إلى عمق ما أدركه الشيخ الأزهري، ونقشه على الواحة التي عاد بها إلى ارض الكنانة، وكيف كانت تلك الرؤى التي اجملها في كتابه الخالد «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، منطلقا حقيقيا لمشاغبة العقل العربي، وعن دفعه في آفاق وشؤون بل وشجون البحث عن التقدم والرقي، بعد أن انحصرت وانحشرت الحضارة المصرية في الهوامش، وضاعت منها المتن عبر الأجيال.
اقرأ… إنها مفتاح التنوير، وهي الأمر القراني الأول، ومن أسف فقد غاب هذا البعد عن ناظري العرب والمسلمين في تلك الفترة لأسباب تحتاج إلى قراءات متخصصة قائمة بذاتها، وقد توقف الطهطاوي الأزهري الأصل أمام مفتاح التنوير عند عموم الأوروبيين ولدى الفرنسيين بنوع خاص.
نلحظ في كتابات الطهطاوي انه عندما تحدث عن المعارف والآداب قرر أن عموم البلاد الإفرنجية كما كان يسميها، مشحونة بأنواع المعارف والآداب التي لا ينكر إنسان أنها تجلب الأنس وتزين العمران، وقد تقرر أن الملة الفرنساوية ممتازة بين الأمم الإفرنجية بكثرة تعلقها بالفنون والمعارف، فهي اعظم أدبا وعمرانا. يمكن لأي قارئ محقق ومدقق هنا أن يربط بين التنوير من جهة، وبين التقدم العلمي والمعرفي، فما من أمة تبغي تقدما إنسانيا وحضاريا من دون أن تكون لها ريادة وسيادة في سائر العلوم والمعارف.
غير أن الطهطاوي ينبه قومه إلى خاصيتين من خواص العلم عند الفرنسيين، وليتنا نتوقف عندهما في عالمنا العربي، فقد غابتا في الماضي البعيد ويشك المرء انهما متواجدتان الآن على أراضينا رغم دورس الأزمان وحكايا الإنسان، لا سيما وانهما كانا من أسباب تأخر العرب والمسلمين وغياب التنوير عن دروبهم. الخاصية الأولى: هي أن مفهوم العلم هناك وثيق الصلة بالصناعة والإنتاج، وان هذه الصلة قائمة بالنسبة لمختلف الصناعات والحرف، ذلك أن سائر العلوم والفنون والصنائع مدونة في الكتب، حتى الصنائع الدنيئة كما يسميها، فيحتاج الصناع بالضرورة إلى معرفة القراءة والكتابة لإتقان صنعته، وكل صاحب فن يجب أن يبتدع في فنه شيئا لم يسبق به، أو يكمل ما ابتدعه غيره، ومما يعينهم على ذلك، زيادة عن الكسب، ما يسميه حب الرياء والسمعة ودوام الذكر.
تحليل الخاصية الأولى يوضح لنا الأساس الصحيح لأي تقدم وكل تقدم تنويري هو المعرفة، مهما عظم العمل أو صغر، وسواء كان الصانع عالم في معمل للصواريخ الصاعدة إلى الفضاء، أو فلاح يحرث الأرض، ذلك انه من دون بحث وتأصيل علمي، يعتمد على الكلمة المكتوبة، فلا نجاح ولا فلاح في الحال أو الاستقبال.
الخاصية الثانية: هي أن الطهطاوي قد فاجأ قراءه عندما حدثهم عن أن العلماء في فرنسا ليسوا هم «رجال الدين»، ففقه الشريعة ليس هو العلم الذي يصنع الحضارة ويبني العمران، ومن يظن ذلك فهو واهم.
تحدث الطهطاوي إلى قرائه فقال: ولا تتوهم أن العلماء الفرنسيين هم القساوسة، لان القسيس إنما هم علماء الدين فقط، وقد يوجد من القساوسة من هو عالم أيضا، وأما ما يطلق عليه اسم العلماء فهو من له معرفة في العلوم العقلية، ومعرفة العلماء في فروع الشريعة النصرانية هينة جدا، فإذا قيل في فرنسا: هذا الإنسان عالم، لا يفهم منه انه يعرف في دينه، بل انه يعرف علما من العلوم الأخرى.
وحتى لا يدع الطهطاوي فرصة لظان انه يصف فقط الفرنسيين دون أن يعني نقد الوضع في الشرق، أو انه يلمح دون أن يصرح، استطرد الرجل لينقد صراحة تخلفنا الذي يجعل من علمائنا ودور العلم عندنا، لا صلة لهم ولا لها بحقيقته، فتحدث إلى قارئه قائلا: وسيظهر لك فضل هؤلاء النصارى في العلوم، عمن عداهم، وبذلك تعرف خلو بلادنا عن كثير منها، وان الجامع الأزهر المعمور، بمصر القاهرة، وجامع بني أمية بالشام، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفاس، ومدارس بخاري، ونحو ذلك، كلها زاخرة بالعلون النقلية، وبعض العقلية، كعلوم العربية والمنطق ونحوه من العلوم الآلية.
ويكمل الطهطاوي بالقول: علماؤنا ليسوا هم العلماء، ومجامعنا ومعاهدنا وقفت عند الآلات والأدوات، وغفلت عن المقاصد والغايات، ذلك أن الطهطاوي كان ممثلا لعصر جديد، فنفذ ببصيرته وعقله إلى أسباب التقدم في بلاد الفرنجة، وحدث قومه عن هذه الأسباب ودعاهم إلى سلوك الطريق نفسه.
اكثر من مائة وخمسين عام تقريبا على توصيف الطهطاوي للفارق بين أوروبا الساعية في دروب التنوير وقتها، وبين عوالمنا وعواصمنا العربية بحالها ومآلها، ولا يزال السؤال القلق المقلق، الحائر والمحير: لماذا يتقدم الآخرون ونتخلف نحن؟ لا ننكر أن هناك محاولات جادة لاستنهاض التنوير عربيا في بلادنا، لكن هناك رواسب ثقيلة تشدنا إلى الأسفل، فنحن على سبيل المثال لا نتطلع إلى علمانية جافية تنكر الدين والإيمان، وبالقدر نفسه لا نرغب في راديكالية سلبية وأصولية ظلامية تجرنا إلى الهواء.
الخلاصة: يوم نوازن بين هذه وتلك، وعلى أسس معرفية علمية، سوف يكتب للعالم العربي الانطلاق إلى آفاق التنوير مرة وإلى الأبد.