نوافذ :الصيف.. حيث تشد الرحال

بقلم: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

لم يعد فصل الصيف فصلا عاديا ضمن فصول السنة الأربعة، عند من عندهم أربعة فصول، وإنما أصبح فصلا استثنائيا، خاصة هنا في عمان، ويتم التعامل معه وفق هذه الاستثنائية الفارضة نفسها بقوة، وتتعمق هذه الأهمية مع كل فصل قادم من فصول الصيف، ويعود ذلك إلى نمو الثقافة السياحية لدى أفراد المجتمع العماني، فبعد أن كان هذا الفصل يأخذ اهتمام حصاد النخيل- فقط – تبدلت الصورة اليوم، إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث التفكير في السفر، بغض النظر عن ما يكلف هذا السفر من مبالغ كبيرة، ليس بمقدور كل الأسر أن توفره طوال شهور السنة، ومع ذلك يبقى التفكير في السفر هاجسا مقلقا لدى الغالبية العظمى من الأسر، وأقلها شد الرحال إلى محافظة ظفار، حيث متعة الطبيعة خلال الأشهر الثلاثة القادمة، بدءا من أواخر الشهر الجاري، وإلى أواخر شهر سبتمبر القادم.
تبدل الثقافة المعتادة عن فصل الصيف، من حيث كونه حصادا لعائدات النخيل، إلى التفكير بجدية في السفر والترحال، ومعايشة أقوام ومدن توجد فيك الدهشة والانفعال، يعود إلى أسباب كثيرة، ليس سببها الرئيسي الطقس الحار؛ كما يعتقد، وإنما تحول العالم إلى قرية صغيرة، كما يقال، والتفاعل المكثف الذي تظهره وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها بين الشعوب، مما ضخّم حالة الفضول عند هذا الإنسان، فأغراه لمعرفة هذه الأقوام، والاقتراب منها، ومعايشتها عن قرب، فالدهشة والانفعال الظاهرين من هذا الاقتراب الشديد، هو الذي يغري الكثيرين لأن يكرروا تجربة السفر مرات ومرات، إلى شعوب هذا العالم المتنامي، فالسفر مغر، مهما كلف، ومهما أوجد من مخاطر، في بعض الأحيان، والإنسان بطبيعته عنده شغف المغامرة.
واليوم- كما ألاحظ- هناك تجاوز، ليس فقط، للتموضع لحصاد النخيل في هذه الفترة القصيرة، وإنما التحرر قليلا من استحكامات بعض القيم، فكما هو معروف أن أغلب أشهر الصيف في مختلف الأعوام تحل فيها إحدى المناسبتين إما شهر رمضان، أو شهر ذي الحجة، ولهما قدسية خاصة عندنا هنا في المجتمع العماني، وهذه القدسية تتوغل فيها أهمية أن تكون الأسر أقرب ما تكون في هاتين المناسبتين، ما ألاحظه في السنوات الأخيرة، لم تعد هذه الصورة تشكل أهمية كبيرة، فكثيرا من الأسر اليوم تسافر؛ حتى مع اقتراب إحدى هاتين المناسبتين، حيث تحتفل بهما خارج الوطن، متجاوزة بذلك مختلف الشعائر والتقاليد والقيم المرافقة-عادة- لهما، وكأن شيئا لم يكن، فهذا التحرر من مثل هذه الالتزامات الاجتماعية تعطي مؤشرا مهما في مستوى التحول الاجتماعي الذي يعيشه أفراد المجتمع، وهذا التحول يدرج ضمن صور المجتمعات الحديثة التي لا تؤمن كثيرا بميراث القيم الاجتماعية، وإنما تنطلق من قناعاتها الخاصة، والمحققة لملء فراغ المتعة واللهو والحبور، وأتصور أنه تحول طبيعي في ظل الانفتاح الشعوبي الواسع الذي تعيشه كل الأمم، وهو مرشح للزيادة أكثر.
لذلك لا تستغرب في زحمة العيد، وتفاعلات أفراده، ألا تجد أحدا ما من أبناء الحي أو القرية، ولو من القريبين منك نسبا وصهرا، فقد رحل مع الراحلين، حيث أصبح هذا الغياب عاديا جدا، وعليك حينها أن نرسل له تهنئة العيد عبر برنامج الـ «واتس أب» فذلك غاية من يتوقعه منك، أو تأتيك تهنئته بالصورة نفسها، ومرفقة بمنظر سياحي أو تاريخي عن المكان الذي يكون فيه.
اليوم حتى الأطفال يتساءلون، بعد أن أنهوا مدارسهم، إلى أين سنسافر في العطلة الصيفية، فالسفر يدغدغ مخيلتهم الصغيرة من الآن، فلم تعد مخيلتهم هي من يملأ فراغ ذاكرتهم، حيث تتردد كلمة «ملل» كثيرا على ألسنتهم، وهذا كله يفرض على ولي الأمر الكثير من التحديات، وأولها التكلفة المادية لهذا السفر، وهي تكلفة لن تكون يسيرة في ظل هذا الغلاء المتنامي في تذاكر السفر، وأسعار الفنادق، بالإضافة إلى المصروفات المصاحبة الأخرى، وكان الله في عون رب أسرة يزيد عدد أفرادها عن ثلاثة.