العبـادة والإنفـاق والبـذل ليسـت مقتصـرة علـى رمضـان

ناصر بن عبدالله الصوافي – واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية –

ها هو شهر رمضان قد انتهى ومضى بكل معاني الحب والمودة والتعاون والتواصل والكرم والبذل والعطاء انتهى شهر المواساة والتراحم وما أعظمه من شهر فقد كان نعم الدورة التدريبية للمؤمن تعلم فيها معاني جليلة وآداب جميلة ومارس فيه كل أنواع البذل والعطاء والإنفاق بل انه كان لله اقرب ولسانه بالذكر لا ينضب نهاره صيام وذكر وتلاوة للقرآن وكذلك ليله قيام وتهجد وتواصل وتراحم كل هذه المعاني العظيمة كانت في رمضان ولان الله تعالى يريد منا التدرب على الطاعات والقربات ويريد لنا الفوز بالجنات فانه تعالى يرغب ويحب أن نستمر على هذه الأفعال وان تستمر معنا طوال العام لأننا عرفنا لذة الطاعة ولذة المناجاة وتعودنا على الذكر والبذل وتلاوة القرآن واحب الأعمال إلى الله أدومها وان قل فلا ينبغي لنا أن نفوت تلك الأجور وتلك الحسنات وتلك الفوائد التي تعلمناها في رمضان ومارسناها بحب وإخلاص وصدق مع الله ثم ما أن ينتهي رمضان إلا وقد انتهت تلك الممارسات وخارت القوى وماتت الهمم وعاد الإنسان إلى عادته والى مقارفة وممارسة أخطائه فرجع إلى غفلته وشروده وابتعاده عن رحمة الله فكيف يمكن لعاقل أن يفعل مثل هذه الأفعال إلا أن كان جاهلا بعواقب الأمور غافلا عن الغاية من تلك العبادة النقية الخالصة قاطعا لتلك الروابط المتينة التي ربطته بربه وأوثقته عن شهوات نفسه وألجمته عن المحرمات والملذات المحرمة فكيف يمكن لعاقل أن يدخل دورة تدريبية ويتعلم أشياء كثيرة منها ثم ما أن يخرج منها إلا وينسى كل شيء ويرجع إلى عادته القديمة والى ممارسة أفعاله السابقة فهذا لم يستفد من الدورة ولم يطلب ترقية في مكانته ولا يسعى لنيل المراتب العالية في وظيفته فيالها من خسارة وسوف تكون ندامة حيث لا ينفع الندم لأنه سيهدم ما بناه في رمضان ويمسح كل ما كتبه من حسنات ويمحو ما أثبته في سجله من طاعات.
إن كثيرا من الناس يظنون أن العبادة مقتصرة على رمضان وان الإنفاق والبذل في رمضان وان تلك الطاعات والقربات التي علموها في رمضان سوف تفيدهم كل العام وسوف تغطي على عيوبهم بعد رمضان وسوف ينالون الرحمة والمغفرة بعد رمضان فإذا ما قارفوا المنكرات ورجعوا إلى العادات والملذات والشهوات بعد رمضان فانهم يظنون انهم سوف يمسحون تلك الأخطاء والمحرمات في رمضان القابل وهكذا كلما جاء رمضان وانتهى رمضان وهذا ظنهم الذي أرداهم للأسف في الغفلة والإعراض عن الله والبعد عنه لأنهم ما عرفوا الالتزام إلا في رمضان وما عرفوا ربهم إلا في رمضان وما خافوا من الله إلا في رمضان وكأنهم يعبدون الله تعالى فقط في رمضان في شهر واحد من السنة وهو يكفيهم طوال العام و يا له من فهم سقيم وذنب عظيم ألا فلتعلموا أيها الأخوة أن رب رمضان هو رب بقية شهور العام وان الله تعالى حرم المنكرات من الأقوال والأعمال ونهى عن الفواحش والآثام في كل الأوقات وفي كل شهور العام فلا ينبغي للمسلم أن يفوت الأجور ويهدم الحسنات ويضيع على نفسه ما فات ويتأمل أن يدرك ما بقي من أوقات فاضلة فإن الأعمار ليست بيده وانتهاء الأجل ليس بعلمه بل إن الموت يأتي بغتة وفجأة «وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ».
ليجلس كل واحد منا مع نفسه ويحاسبها كيف كانت في رمضان وما هي الطاعات التي مارسها وكيف ينبغي له أن يحافظ عليها وما هي الطرق والأساليب التي يمكن له أن يتبعها للمحافظة على مكتسبات رمضان وليتفكر ويتدبر في نفسه وحاله ماذا عملت في رمضان وكيف اكون بعد رمضان وما هي الغاية والهدف من رمضان وهل العبادة مقتصرة فقط على رمضان وهل أنا اعبد رمضان فقط أم أن الهدف والغاية من الصيام هو التقوى على مدار العام والتزام بالطاعة في الأوقات والأيام والله تعالى يقول: «وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا…».
إن مِن شكر الله عز وجل على نعمة توفيقه للصيام والقيام أن يستمرَّ المسلم على طاعة الله عز وجل في حياته كلِّها، فالإله الذي يُصام له ويُعبد في رمضان هو الإله في جميع الأزمان، ومن علامة قبول الحسنة الحسنةُ بعدها، وإن مِن كُفر النعمة وأماراتِ ردِّ العمل العودةَ إلى المعاصي بعد الطاعة، يقول أحد الصالحين: «من صام رمضان وهو يحدِّث نفسَه أنه إذا خرج رمضانُ عصى ربَّه فصيامُه عليه مردود، وباب التوفيق في وجهه مسدود».
إن مما ينبغي على كل مسلم ألف الطاعة في رمضان وجانب الفجور والمعاصي في رمضان أن يستمر على هذا النهج وان يشغل أوقاته كلها بطاعة الرحمن وان يبتعد عن مواطن الشبهات وأصدقاء السوء وشلل الفساد لكي يحافظ على ما اكتسبه في رمضان وان يحدث في نفسه وسلوكه تغييرا مستمرا والتزاما وانضباطا دائما وان يجعل نصب عينيه العاقبة ونيل رحمة الله والسعادة في دار الآخرة كما قال سبحانه: «وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين»
وكما تعلمون بأن التاجر الحصيف الماهر في تجارته الساعي للأرباح والفوز والنجاح يستمر في كل العام ولا يجلس ينتظر المواسم ليأخذ منها الربح الوافر ثم يقعد بلا حركة ولا شغل ولا فكر ولا عمل ولا تخطيط على العكس من ذلك فإننا نرى التجار يستمرون في متابعة أعمالهم والسعي لنيل أرباحهم في المواسم وفي كل الأوقات لأنهم يسعون لزيادة الأرباح ومضاعفة الثروات وزيادة المدخرات وهكذا ينبغي لتجار الآخرة أيضا فكل إنسان حصيف فاهم ذكي يسعى لنيل الأرباح ويحافظ على المكتسبات طوال العام ولا ينتظر فقط الموسم ثم يهمل ويستريح ويتراخى ويتأخر فكانه لم يعمل شيئا فليجلس كل منا مع نفسه بعد رمضان كيف كنت وكيف يجب أن اكون بعد رمضان ماهي الأمور السيئة التي ارغب في ممارستها بعد رمضان ولماذا امرسها وما هي النتيجة منها وكيف ستكون عاقبة أمرها وماهي الطاعات التي قصرت فيها ويجب أن أحافظ عليها بعد رمضان وكيف يمكن لي أن استفيد من رمضان وأحافظ على خط سير الطاعة المتصاعد الذي كنت أمارسه في رمضان.
إن فائدة رمضان يجب أن تستمر بعد رمضان وان يكون جدول الطاعات مستمرا طوال العام وترك المعاصي والفجور من الأقوال والأعمال مستمرا طوال العام وبذلك يمكن أن يكون المسلم قد استفاد من رمضان وتحصل على فوائد رمضان ونال بركة رمضان فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستمرون على الطاعة ويدعون الله تعالى أن يتقبل منهم رمضان ستة اشهر بعد رمضان ثم يدعون الله تعالى أن يدركوا رمضان ستة اشهر أخرى لإدراكهم مكانته وأهميته وعظم الأجر فيه فليكن رمضان فرصة للإصلاح الدائم والتغيير الفعال؛ وفق أدوات الإصلاح والتغيير التي يتفق عليها جميع الخلق. وأخيرا نقول: من كان يعبد الله تعالى؛ فإن الله تعالى حي دائم لا يزول. ومن أخلص العمل؛ لم يضع في الحسبان الزمن؛ وإنما هو يسير نحو مقصده الأعلى.