العـراق وتحـدي تــطــوير قــدراته

نك بتلر – الفاينانشال تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

يمثل العراق، بطرائق عديدة، قصة نجاح. فجماعة (داعش) هزمت. وهي التي كانت حتى العام الماضي تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال وغرب العراق. ومن المحتمل أن يكون الوضع الأمني حول العراق الآن أفضل من أي وقت مضى خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وبعد تجاهل استفتاء الاستقلال في عام 2017 تأسست مجددا علاقة عمل مشترك تتسم بالفعالية بين الحكومة في بغداد وإقليم كردستان الذي يدار بما يشبه الحكم الذاتي.
يمتد هذا النجاح إلى صناعة النفط. فالإنتاج ارتفع إلى 5 ملايين برميل في اليوم، حسب لوكالة الطاقة الدولية.
والعراق اليوم، مرة أخرى، أحد أكبر المنتجين النفطيين في العالم. فقد تم إلغاء قانون النفط الوطني الذي هدد بمركزة السيطرة على كل جانب من جوانب قطاع النفط والغاز.
حتى هنا كل شيء على ما يرام. لكن هذا النجاح هش، كما أوضح في جلاء تقرير جديد صادر عن وكالة الطاقة الدولية. فالعراق على سبيل المثال لم يتمكن من إدارة مورد الغاز الطبيعي (المصاحب للنفط) الذي ينتجه والذي يجب جمعه ومعالجته والاستفادة منه. ففي كل يوم يتم حرق 16 بليون متر مكعب من الغاز مما يجعل العراق معتمدًا على واردات الغاز من إيران. وهذا شيء يمكن أن يتحول إلى مشكلة إذا شددت الولايات المتحدة من عقوباتها لتجريم مثل هذه التجارة (أي جعل تجارة الغاز الإيراني غير قانونية).
كما يوجد نقص في إمدادات الماء. وهذا قد يحد من الإنتاج في عدد من الحقول الموجودة بما في ذلك حقلي الرميلة ومجنون. من الممكن أن تزيد السعة الإنتاجية. فالموارد اللازمة لذلك يقينا موجودة. لكن الحواجز البيروقراطية والشروط غير الجذابة لا تشجع المستثمرين العالميين. هذا إلى جانب عدم انتظام إمدادات الكهرباء. كما يصل معدل البطالة إلى مستوى خطر بالنظر إلى أن عدد السكان يتزايد بأكثر من مليون شخص في العام. وأعمار حوالي 40% من العراقيين الذين يبلغ عددهم 38 مليون مواطن أقل من 14 عامًا، وفق التقرير المذكور.
يوفر القطاع الحكومي 3 ملايين وظيفة، لكن العديد من هذه الوظائف غير منتج. وكما هي الحال في بلدان عديدة منتجة في النفط، فشل العراق في تنويع الاقتصاد.
يؤكد تقرير وكالة الطاقة الدولية على الجانب الإيجابي وعلى مقدرات العراق. لكن الحذر والخشية الضمنيين في التقرير لا تخطئهما العين. فالنجاحات التي تحققت قد لا تكون قابلة للاستدامة. بل هنالك احتمال في أن تتراجع مستويات إنتاج النفط. الخطر الذي يواجه العراق في الأجل القصير يتمثل في احتمال أن يدفع التحرك الأمريكي ضد إيران بالعراق إلى صراع آخر غير مرغوب فيه. بخلاف ذلك فإن التحدي الذي يواجه العراق والذي صار مألوفا الآن في الدول المنتجة للنفط هو كيفية إدارة المستويات المحدودة من الإيرادات المتوافرة له عندما تكون أسعار النفط محصورة داخل نطاق محدود ولا يبدو عليه ما يشير إلى ارتفاعها كثيرا فوق 70 دولارًا للبرميل.
المشكلة الأساسية التي تواجه العراق هي استمراره في الاعتماد على الإيراد النفطي والذي يشكل 99% من حصيلة الصادرات و90% من الإيرادات الحكومية و60% من الناتج المحلي الإجمالي.
إن العراق ليس أفقر بلد في المنطقة. لكن احتياجات الاستثمار تفوق ما هو متاح. فهنالك حاجة إلى 3 ملايين برميل من الماء يوميا لاستدامة أية زيادة في إنتاج النفط.
أيضا يحتاج قطاع الكهرباء إلى إعادة بناء شاملة للتقليل من خسائر الفقد الكهربائي وترقية محطات التوليد الموجودة والتوسع في السعة الإنتاجية بما في ذلك استخدام الغاز الطبيعي والموارد المتجددة لمقابلة حجم الطلب الذي يتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2030.
الحل الواضح لذلك هو تشجيع الاستثمار الخارجي. لكن هذا بدوره سيستلزم كلا من الاستقرار السياسي والإدراك الواقعي من جانب الحكومة العراقية بأن المستثمرين الأجانب سيطالبون بعائد منصف (مقابل استثماراتهم). فالعقود التي تتضمن عائدات الحد الأدنى لن تجتذب المستثمرين الذين لديهم المهارات الفنية المطلوبة بالنظر إلى المخاطر المرتبطة بالمنطقة وخصوصا في الجوار العراقي.
العراق، كما أوضح تقرير وكالة الطاقة الدولية، بلد يملك إمكانيات عظيمة. وإضافة مليون برميل آخر في اليوم لإنتاجه النفطي سيجعل العراق رابع أكبر منتج للنفط في العالم في غضون العقد القادم.
إن قاعدة الموارد التي لم يتم تطويرها ضخمة. ويمكن تجهيزها للإنتاج بتكلفة منخفضة. فالبنيات الأساسية موجودة سلفا. ومستوى المهارات المحلية مرتفع رغم مغادرة عدد كبير جدا من الموهوبين للعراق في فترات الحروب المتعاقبة خلال الأعوام الثلاثين الماضية.
لكن النجاح ليس قدرًا مسطرًا ولا يوجد ضمان بأن التقدم الذي تم إحرازه في الأعوام الخمسة الماضية سيستمر.