الصين تحض رعاياها على توخي الحذر في الولايات المتحدة وسط توترات بين البلدين

حرب كلامية بين واشنطن وبكين في ذكرى أحداث «تيان انمين» –
بكين – (أ ف ب) – وجهت الصين أمس تحذيرين إلى رعاياها المسافرين إلى الولايات المتحدة حضتهم من خلالهما على توخي الحذر والتنبه من مضايقات الشرطة والجريمة.
ويأتي التحذيران وسط نزاع تجاري محتدم بين أكبر اقتصادين في العالم وتوترات أخرى منها اتهامات متبادلة بشأن سجل حقوق الإنسان في الجانبين.
وأوردت وسائل إعلام رسمية نقلا عن بيان لوزارة الثقافة والسياحة «مؤخرا، وقعت (حوادث) إطلاق نار وسرقة وسلب متكررة في الولايات المتحدة».
وحض البيان السياح الصينيين على «تقييم المخاطر بشكل كامل» و«زيادة التيقظ إزاء الأمن والسلامة».
وفي تحذير منفصل قالت وزارة الخارجية الصينية إن أجهزة تطبيق قانون أمريكية قامت بشكل «متكرر» باستخدام أساليب مثل الهجرة ومقابلات «لمضايقة» مواطنين صينيين في الولايات المتحدة.
وحض البيان الرعايا الصينيين والمؤسسات الممولة من الصين في الولايات المتحدة على توخي الحذر «وزيادة التيقظ وتعزيز التدابير الوقائية».
ويأتي التحذيران غداة إعلان وزارة التعليم أن الطلاب والأكاديميين يواجهون مشكلات تتعلق بالتأشيرات الأمريكية وحضتهم على تقييم «مخاطر» السفر إلى الولايات المتحدة.
ويأتي ذلك بعد تعثر المفاوضات لحل الخلاف التجاري بين البلدين.
وفي الأشهر الأخيرة أعرب مسؤولون ومشرعون أمريكيون عن مخاوفهم من احتمال استغلال الطلاب والأكاديميين الصينيين في عمليات التجسس لحساب الحكومة الشيوعية.
في السياق فرضت بكين أمس تعتيما إعلاميا في الداخل على الذكرى الثلاثين لتظاهرات ساحة تيان انمين، ودخلت بالمقابل في حرب كلامية مع واشنطن حول معنى احتجاجات عام 1989 المطالبة بالديمقراطية.
وبعد ثلاثين عاما على قمع الجيش لتظاهرات «ربيع بكين» التي قتل فيها المئات وربما نحو ألف شخص، ردّ النظام الشيوعي بغضب على تعليقات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الذي أشاد «بأبطال الشعب الصيني» الذين سقطوا في ليل 3 إلى 4 يونيو 1989.
وردّ المتحدث باسم الخارجية الصينية غنغ شوانغ أمام الصحافة على تعليقات بومبيو قائلاً إن «هذا الهذيان الجنوني والكلام التافه لا يمكن إلا أن ينتهي به المطاف في مزبلة التاريخ».
ولم تنقل وسائل الإعلام الصينية أمس هذه التصريحات التي أدلى بها المتحدث أمام الصحافة الأجنبية، بل واصل الإعلام الصيني التزام الصمت بشأن موضوع تيان انمين الذي يعدّ من «المحرمات» في الصين.
وكما في كل عام، ومع اقتراب الذكرى في 4 يونيو، أوقف النظام الصيني أو أبعد ناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وكذلك أقرباء لضحايا هذا التاريخ.
ورفعت هذه المواجهة الكلامية حدة التوتر بين واشنطن وبكين. ووصل الأمر إلى توجيه الصين الثلاثاء تحذيرين إلى رعاياها المسافرين إلى الولايات المتحدة حضتهم من خلالهما على توخي الحذر والتنبه من مضايقات الشرطة والجريمة.
وخضع الدخول لساحة تيان انمين مسرح التظاهرات الهائلة بين أبريل و يونيو 1989، لرقابة مشددة.
وفجراً، حاول صحفي فيديو من وكالة فرانس برس الدخول إلى الساحة لحضور احتفال رفع العلم في هذا الميدان الهائل في قلب بكين، لكن طُلب منه المغادرة.
وقال الحراس المكلفون مراقبة الدخول للساحة عبر بوابات إلكترونية للصحفي «يجب أن يكون بحوزتك تصريح من مجلس إدارة تيان انمين».
وفي بيان، ندد نادٍ للمراسلين الأجانب في الصين بتصرف السلطات مع وسائل الإعلام، معتبراً أنها تخرق قواعدها نفسها بطلب تصريح خاص للدخول إلى ساحة تيان انمين.
والاثنين الماضي اعترضت الشرطة الصينية صحفياً في فرانس برس كان يجول بسيارة حول المكان وطلبت منه محو الصور التي التقطها بكاميرته. ولم يتمكن صحافي آخر في فرانس برس من حجز غرفة في فندق مطلة على الساحة بحجة أنه يجري «ترميمها».
ويحاول النظام الصيني جاهداً منذ 30 عاماً استئصال مذبحة عام 1989 من الذاكرة الجماعية.
ويقول سائق سيارة أجرة ولد عام 1989 لوكالة فرانس براس «الأمر ليس أننا لا نبالي. نحن نعرف ما حصل»، مضيفاً «لكن كيف لي أن أتحدث معكم وحوارنا يسجل الآن عبر تطبيق في السيارة».
ويتابع «الصين اليوم تغيرت. إذا كنت تملك مالاً فأنت تملك كل شيء. وبدون المال، لا نجرؤ على فتح أفواهنا».
واستهلت قناة «سي سي تي في» الرسمية أمس نشرة أخبار الظهر باستعراض شعار رسمي لمناسبة أخرى هي مرور 70 عاماً على تأسيس الجمهورية الشعبية، الذي سيحتفى به بشكل كبير في الأول من أكتوبر.
ومنذ منتصف أبريل 1989 حتى مطلع يونيو، تظاهر ملايين الطلاب، انضم إليهم عمال ومفكرون، للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية والتنديد بالفساد والتضخم.
واجتاح عسكريون ودبابات شوارع بكين، مطلقين النار على المتظاهرين وعلى مدنيين كانوا متواجدين على أطراف ساحة تيان انمين.
من جهتها، أكدت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في بيان «بعد ثلاثين عاماً، لا يزال الاتحاد الأوروبي يبكي الضحايا ويقدّم تعازيه لعائلاتهم».
ولا يبدو أن النظام الصيني مستعدّ لتغيير موقفه من تظاهرات «ربيع بكين».
ورأى وزير الدفاع وي فينغهي الأحد الماضي أن تدخل الجيش ضد التظاهرات كان خياراً «صحيحاً»، سمح بتأمين «الاستقرار والنمو» للصين.
ونشرت صحيفة «غلوبال تايمز» ذات النبرة القومية، الناطقة بالانجليزية والقريبة من السلطة الاثنين افتتاحيةً قالت فيها إن قمع التظاهرات سمح بـ«تحصين المجتمع» ضدّ أي اضطراب سياسي. وفي تقرير موسع من المكان، أشادت الصحيفة الثلاثاء بثلاثين عاماً من الاستقرار السياسي في الصين، دون أن تذكر ولو مرة واحدة أحداث عام 1989.
ولم يرد هذا النص بالنسخة الصينية من الصحيفة.
في الأثناء، شارك الآلاف مساء أمس في وقفة إضاءة الشموع التقليدية التي تنظم سنوياً في هونج كونج، المنطقة ذات الحكم الذاتي، والوحيدة في الصين التي تحيي ذكرى تيان انمين.
وانضم إلى هؤلاء صينيون من البر الصيني أرادوا اختراق الحظر على هذا الموضوع المحرم في الصين.