البرلمان الأوروبي وتراجع الأحزاب التقليدية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

أفرزت الانتخابات الخاصة بالبرلمان الأوروبي عن صعود واضح لليمين القومي والذي يريد وضع حد للهجرة القادمة من الشرق ومنح المزيد من الصلاحيات للبرلمانات الوطنية وليس لمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ويعتبر نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني ورئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان نموذجين في هذا الإطار، كما شكلت الأحزاب التي تؤيد وجود اتحاد أوروبي فاعل ظاهرة تصاعدية خلال تلك الانتخابات مثل أحزاب الخضر والجماعات الليبرالية والتي حققت نتائج جيدة.

ومن هنا فإن النتائج بشكل عام جاءت منسجمة مع التوجه نحو وجود قوي للاتحاد الأوروبي وأعضائه البالغ عددهم 28 دولة، ولعل المشاركة الواسعة للمواطنين في دول الاتحاد شكلت ظاهرة ملفتة وجاءت النتائج بمثابة رسائل موجهة للحكومات بان الأحزاب التقليدية لم تعد هي الطموح وأن التغيير في التوجهات والسياسات الأوروبية على صعيد البرلمان الأوروبي أصبح مطلبا ملحا لأكثر من 380 مليون ناخب من الدول الأعضاء ويتم انتخاب 751 عضوا بما فيهم رئيس البرلمان المنتخب.

أهمية البرلمان

يعد البرلمان من أهم الهيئات التشريعية التي تنظم العمل المؤسسي لدول الاتحاد الأوروبي على الصعيد الأمني والسياسي والقانوني والاستراتيجي ومن خلال الانتخابات الأخيرة فقدت الكتل الكبرى في البرلمان خاصة أحزاب الوسط ويسار الوسط أغلبيتها وسط زيادة دعم الناخبين لليبراليين والخضر والقوميين.
ويعد البرلمان الأوروبي واحدا من أقدم مؤسسات الوحدة الأوروبية والذي من خلاله يصوت مواطنو دول الاتحاد وقد ظهرت فكرة تأسيس البرلمان الأوروبي مع تبلور الاتحاد الأوروبي خلال معاهدة روما 1957 والتي أدت إلي تأسيس المجموعة الاقتصادية الأوروبية ويدخل ضمن مهام البرلمان عدد من المهام الأساسية، حيث يشكل البرلمان الأوروبي مع مجلس الاتحاد الأوروبي المكون من وزراء حكومات الدول الأعضاء الجهاز التشريعي للاتحاد ولا يمتلك البرلمان سلطة اقتراح أو صياغة مشاريع قوانين لان ذلك من مهام المفوضية الأوروبية ويقوم الاتحاد على الإشراف على أعمال مجلس الاتحاد الأوروبي ويصادق على ترشيح المفوضين ويمتلك حق سحب الثقة من مجلس الاتحاد ويمارس إشرافا سياسيا أيضا على كل مؤسسات الاتحاد.
ومن صلاحيات البرلمان الأوروبي توجيه النقد للمفوضية أو إقالتها بأغلبية ثلثي الأصوات وإقرار الاتفاقيات الخارجية للاتحاد الأوروبي والتصديق على المنح والمساعدات المالية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لدول العالم المختلفة.
وهناك صلاحيات وآليات متعددة للبرلمان الأوروبي وهو يعد منارة للديموقراطية وتعدد الآراء وحرية التعبير في أوروبا من خلال تمثيل كل الدول الأعضاء، ولعل التوجه الجديد الذي أفرزته الانتخابات البرلمانية الأخيرة هو ارتفاع الأصوات والتي تنادي بتماسك الاتحاد الأوروبي في ظل الخروج المتوقع لبريطانيا وهي العضو المهم في الاتحاد في ظل تنامي أصوات أخرى تتحدث عن تصدع مؤسسة الاتحاد والتخوف من انسحابات أخرى تؤدي إلى تفكك الاتحاد في مرحلة قادمة، ومن هنا جاءت النتائج ملبية لتلك التوجهات وبروز الأحزاب غير التقليدية وانحسار الأحزاب التي سيطرت على الأغلبية في البرلمان الأوروبي لسنوات طويلة كما أن ظاهرة اليمين القومي في أوروبا لاتزال متنامية ولعل فوز المرشحة الفرنسية ماري لوبان بمقعد في البرلمان الأوروبي يعطي إشارة واضحة في هذا الإطار وكذلك الأمر في عدد من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا، ومن هنا فإن فوز أحزاب الوسط ويسار الوسط واليمين القومي والخضر تعد ابرز ظواهر الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

مسار الاتحاد الأوروبي

يواجه الاتحاد الأوروبي عددا من المشكلات لعل في مقدمتها إشكالية خروج بريطانيا والتي أطاحت في نهاية الأمر برئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وهو الأمر الذي تحدثنا عنه في مقال سابق نظرا للتعقيدات التي وضعت ماي نفسها وفشلت في تمرير صفقة الخروج من الاتحاد ثلاث مرات من أمام مجلس العموم البريطاني وما شكله حزب العمال من ضغوط انتهت باستقالتها المؤثرة.
هناك أصوات تتحدث في أوروبا عن عجز واضح للسياسة الأوروبية في عدد من الملفات الدولية لعل في مقدمتها ملفات الشرق الأوسط وأصبحت أوروبا اقرب إلى التكتل السياسي الذي يسدي النصائح مقابل الولايات المتحدة وهو الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات عن فاعلية الاتحاد الأوروبي الذي يشكل معظم القارة الأوروبية والذي كان يتوقع له أن يكون لاعبا فعالا في السياسة الدولية.
وعلى ضوء تلك التساؤلات تبرز أهمية المؤسسة التشريعية الأوروبية وهي البرلمان لإعادة شيء من الهيبة لأوروبا من خلال الصلاحيات الواسعة للبرلمان ولعب دور سياسي من خلال المفوضية ومجلس الاتحاد الأوروبي، وعلى ضوء ذلك فإن البرلمان الأوروبي الجديد أمام مسؤولية للدفع بأعمال الاتحاد إلى الأمام وتفعيل مسؤولياته حتى يكون هناك مقاربة سياسية أوروبية أمام القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة وحتى الصين وروسيا.
لعل التغير الواضح في خريطة البرلمان الأوروبي الجديدة سيفرض مسارا مختلفا إلى حد ما مع وصول اليمين القومي والخضر وأحزاب الوسط، خاصة ملفات أساسية مثل ملف الهجرة والبريكست وعدم ثقة شرائح مهمة في المجتمعات الأوروبية بالمؤسسات الوحدوية الأوروبية بالرغم أن هناك إنجازات اقتصادية تحققت على صعيد الوحدة التجارية في أوروبا، ولعل التخوف الأكبر على صعيد مستقبل الاتحاد الأوروبي ومن خلال إفرازات الانتخابات البرلمانية الأوروبية هو الصعود الشعبوي واليمين المتطرف ليس فقط على صعيد البرلمان الأوروبي ولكن على صعيد الحكومات في دول مثل النمسا وإيطاليا وهو الأمر الذي يعكس تنامي الكراهية والعنصرية تجاه الآخر في عدد من الدول الأوروبية.
وفي تقريرها السنوي أشارت اللجنة الأوروبية لمكافحة العنصرية والتعصب إلى أن الشعبوية القومية وخطاب الكراهية والذي يحض على كراهية الأجانب قد أصبحا سائدين سياسيا، كما أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية إلى أن العديد من جرائم الكراهية في الاتحاد الأوروبي لاتزال غير معلنة وغير مرئية مما يترك الضحايا دون إنصاف قانوني وغياب العدالة،
وعلى ضوء تلك التقارير المزعجة في مجال تنامي العنصرية والتعصب فان البرلمان الأوروبي أمامه مهام كبيرة بصرف النظر عن فوز تلك الأحزاب اليمنية حيث لايزال للأحزاب التقليدية مقاعد كافية وإن كانت خسرت الأغلبية والتي تمتعت بها لسنوات داخل منظومة البرلمان الأوروبي.
والبرلمان الأوروبي تأتي أهميته الشعبية كونه يمثل الشعوب الأوروبية وهو أكثر حركة وديناميكية من الحكومات الأوروبية خاصة في مجال حقوق الإنسان والحريات وقضايا العنصرية وإقصاء الآخر فهذه أمور تدخل في صلب مهام البرلمان الأوروبي ومن هنا فإن الدور الشعبي يعد هاما من خلال اللجان المختلفة للبرلمان الأوروبي ومن خلال العلاقات الواسعة مع البرلمانات الإقليمية ومنها البرلمانات والمجالس العربية من خلال دور تسليط الضوء على القضية الفلسطينية حيث إن للبرلمان الأوروبي دورا متقدما ومهما في هذا الإطار.

التكاملية البرلمانية

من الجانب العربي وعلى ضوء ما أسفرت عنه الانتخابات البرلمانية الأوروبية فإن التواصل بين البرلمانات والمجالس في الدول العربية يبدو هاما بصرف النظر عن التغيرات النسبية في خريطة البرلمان الأوروبي حيث إن العلاقات المتواصلة والتنسيق في القضايا الأساسية وفضح الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أمام أعضاء البرلمان الأوروبي، يعد من الأمور الأساسية والتي تهم القضايا العربية في ظل العلاقات الإيجابية بين الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي مما يعكس في نهاية المطاف المصالح المشتركة وأيضا تبادل الخبرات في المجال البرلماني.
وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات في أوروبا فإن ذلك يمثل قناعة ملايين الناخبين وفي المحصلة النهائية فإن التعامل مع البرلمان الأوروبي يعد من الأمور الأساسية لاستكشاف السياسات والتوجهات للبرلمان الجديد وتبقى دول الاتحاد الأوروبي من الكتل السياسية ذات العلاقات التاريخية مع العالم العربي ومن هنا فإن أوروبا سوف تشهد متغيرات على ضوء التساؤلات المطروحة حول مستقبل الاتحاد وتأثير ذلك على القضايا المختلفة.
ويبقي البرلمان الأوروبي أحد الأدوات التشريعية المهمة في جسم الاتحاد الأوروبي والذي يلعب دورا متناميا في السياسة الأوروبية داخليا وخارجيا إلى حد كبير رغم أن المفوضية لها السبق في القضايا السياسية الخارجية ويبقي التنسيق بين المفوضية والبرلمان قائما بشكل مباشر.