رسائل الرسول للملوك والزعماء: أبا جهل «الجرأة على الله ورسوله»

إعـــــــداد: مـــــــيرفت عزت –

يذكر الدكتور مصطفى الشكعة، في كتاب «البيان المحمدية»، إن أبا جهل كتب الى النبي- صلى الله عليه وسلم- بالمدينة: يا محمد إن الخيوط التي في رأسك هي ضيقت عليك مكة ورمت بك إلى يثرب، وإنها لا تزال بك تنفرك، وتحثك على ما يفسدك ويتلفك إلى أن تفسدها على أهلها وتصليهم حر نار جهنم، وتعديك طورك، وما أرى ذلك إلا سيأول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك ودفع ضرك وبلائك، فتلقاهم بسفائك المغترين بك، ويساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك فيلجئه إلى مساعدتك ومضافرتك خوفه لأنه لا يهلك بهلاكك، ويعطب عياله بعطبك ويفتقر هو ومن عليه بفقرك، وفقر شيعتك، اذ يعتقدون أن أعداءك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين والاك وعاداك اصطلموهم باصطلامهم لك، وأتوا على عيالاتهم وأموالهم بالسبي والنهب كما يأتون على أموالك وعيالك، وقد أعذر من أنذر وبالغ من أوضح.
يضيف، وأديت هذه الرسالة إلى محمد وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه وعامة الكفار. فقال صلى الله عليه وسلم للرسول: قد أطريت مقالتك، واستكملت رسالتك، قال: بلى قال فأسمع الجواب:
نص الكتاب:
«جوابه صلى الله عليه وسلم لكتاب أبي جهل «إن أبا جهل بالمكاره والعطب يتهددني، ورب العالمين بالنصر والظفر عليه يعدني، وخبر الله أصدق، والقبول من الله أحق، لن يضر محمدا من خذله أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله، ويتفضل بجوده وكرمه .
يا أبا جهل إنك راسلتني بما ألقاه في جلدك الشيطان، وأنا أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن: أن الحرب بيننا وبينك كافية إلى تسعة وعشرين، وأن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، وستلقى أنت وعتبة وشيبة والوليد وفلان وفلان – وذكر عددا من قريش – في قليب مقتلين أقتل منكم سبعين وأؤسر منكم سبعين، أحملهم على الفداء أو القتل».
ويقصد قوله: «إن أبا جهل» هو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان يكنى أبا الحكم، وكان من ملأ قريش وأبا للستة المردة وطغاتهم وأعدى عدو الله ورسوله، يحرض الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤذيه بأنواع الأذى، ويجمع الجموع ويوقد نار الحرب، ويصد الناس عن الإسلام، ويعذب المسلمين ويفتنهم عن دينهم وهو من رؤوس الكفرة قتل يوم بدر لعنه الله وأخزاه، قتله عبد الله بن مسعود.
أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وقبل بدر رسالة فيها الجرأة على الله ورسوله، فأجابه رسول الله صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم بذلك:
بالمكاره، أي ما يكرهه الإنسان من القتل والنهب وكل شر يسوء الإنسان. والعطب، من عطب كفرح أي: هلك، وعطب البعير والفرس انكسر. بما ألقاه في جلدك، الجلد قشر البدن، ويكنى به عن النفس يقال: ردوا القوم على أجالدهم أي: عليهم أنفسهم، والأجالد جمع الأجلاد وهو جسم الإنسان وشخصه، ولعل النكتة في هذه التكنية: أن الشيطان أخذ بجميع جوارحه لا يكون منه تفكير ولا عمل جوارحي من قول وغيره إلا وإن الشيطان قد غلبه، فالفكر فكره، والعمل عمله لا عمل أبي جهل وفكره. إن الحرب بيننا وبينك كافية، ردع له عن القول الفاحش بأن الحرب تفصل بيننا، ويبين أن لأينا الفلج، وأجله بتسعة وعشرين، والظاهر أن المراد هو اليوم أي: تسعة وعشرين يوما، فكانت المراسلة قبل بدر بتسعة وعشرين يوما، وذلك لأن بدرا كان بثمانية عشر شهر بعد الهجرة، فلا يمكن حمل تسعة وعشرين على الشهور، فأخبر صلى الله عليه وسلم بمقتل أبي جهل، وأن الله سيقتله بأضعف أصحابه، والظاهر من كتب التواريخ أنه ابن مسعود، لأنه جز رأسه وأجهز عليه، والحرب «بيننا وبينك كائنة» وكذا في الاحتجاج. «وستلقى أنت» ألقى صلى الله عليه وسلم أجسادهم الخبيثة في قليب في بدر، ثم ناداهم.
يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا، فقال له أصحابه: يا رسول الله أتكلم قوما موتى؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبون «عتبة» بضم العين وسكون التاء ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف و «شيبة» بفتح الشين وسكون الياء وفتح الباء بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف و«الوليد بن عتبة» كانوا من ملأ قريش وعتاتها قتلهم الله أجمعين.
«أحملك على الفداء أو القتل» قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدة من الأسارى، وأخذ الفداء من بعض، ومن على بعض وفي البحار «أحملكم على الفداء الثقيل».
أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب بأخبار غيبية وقعت بعد أبان غزوة بدر الكبرى. قتل أبي جهل والملأ من قريش، إلقاؤهم في قليب من قلب بدر. عدد القتلى والأسارى منهم، قتل بعض الأسارى وأخذ الفدية من بعض، كتابه صلى الله عليه وسلم في الذنوب.