يـا عـفـوّ

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

(اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) يتصدر صفحاتنا على شبكات التواصل الاجتماعي، و يسود على منشوراتنا منذ دخول العشر الأواخر، هذا الدعاء الذي علمه نبي الإنسانية للسيدة عائشة فيما لو صادفتها ليلية القدر، لأنها فرصة عظيمة لا تفوت، فقد أعطاها دعاء مختصرا، شاملا، كاملا، لأن من أنعم الله عليه بالعفو فقد نجا في الدنيا و الآخرة، ففي العفو حياة، لكن كثير منا لا يدرك المعنى من عبارة (يحب العفو)، الذي فيها دعوة لنا بانتهاج العفو في حياتنا، أما الله عز وجل فما أسهل العفو عنده، وهو التواب الغفار، غافر الذنب، الغفور تجلت قدرته.
(العفوّ) صفة يحبها الله، لأن فيها حياة، وقد ربطها عليه السلام في دعاء آخر بالعافية عندما أمرنا بأن نسأل الله العفو والعافية، فعدم قدرة المرء على العفو يجعله عشا للأحقاد، والضغينة التي تسمم العقل و القلب معا، وهناك اليوم من الدراسات ما يشير إلى أن أغلب الأمراض التي نعاني منها هي نفسية المنشأ، سببها ضغوطات الحياة، و المشاعر المكبوتة، فجاء الهدي النبوي ليعلمنا أفضل وسيلة لإطلاق هذه المشاعر السلبية، وهو العفو و التسامح، الذي يستصعبه الكثيرون منا للأسف الشديد، فكثيرون تسمعهم يرددون بأنهم عاجزون عن العفو، أو يرفضونه بشدة، لأنه ارتبط معهم بالضعف، رغم أنه منتهى القوة، فالعفو يتطلب قوة كبيرة ليستطيع أن يسامح من ظلمه، وأسوأ أشكال عدم التسامح هو مع الذات، فكيف بمن عجز عن مسامحة ذاته أن يسامح الآخرين، من يعيش حياته يجلد ذاته بسياط التأنيب و التعنيف، سنوات طويلة على ذنب اقترفه، كيف سيستطيع أن يسامح الغير، الأقربون أولى بالمعروف، وأقرب الأقربين لك هو ذاتك، التي يجب أن تبدأ بها، تسامحها، وابدأ معها صفحة جديدة، وانس الماضي، فكل خطأ ارتكبته في حق نفسك والآخرون كانت له ظروفه، كنت في مرحلة وعي مختلفة، كنت لا تعرف ما تعرفه الآن، فمن الظلم أن تحاسب نفسك على وضع قديم بوعيك الجديد.
فقط عندما تعفو عن نفسك ستستطيع أن تعفو عن الناس، والعفو يتطلب قوة ستكتسبها فقط عندما تتحرر من قيود الغضب و الحقد والضغينة، وتحرر روحك، وتستعيد قواك، حينها فقط ستحصل على العفو و تجني ثماره من جزاء خبأه الله لك (فمن عفا و أصلح فأجره على الله).