ما الذي يستطيعه الفلسطينيون إزاء «صفقة القرن»؟

ماجد كيالي –

باتت «صفقة القرن»، أو مهما كان اسمها، بمثابة الشغل الشاغل للفلسطينيين، على كافة الصعد، بيد أن ردة الفعل إزاءها ظلت ضمن إطار الرفض والتحليل والتوصيف، من دون أن تصل إلى حد طرح خطوات عملية لصدّها أو للتخفيف من مخاطرها.
ومعلوم أن هذه الخطة، وبغض النظر عن التفاصيل، تقوم على أربع ركائز.
الأول، استمرار الأمر الواقع الفلسطيني، أي مجرد سلطة تحت الاحتلال، أقل من دولة وأكثر قليلا من حكم ذاتي.
الثاني، تفكيك قضية فلسطين، باعتبارها قضية أراض متنازع عليها، وتفكيك شعبها، باختصاره بفلسطيني غزة والضفة، لكن كسكان، وليس كشعب أو كجزء من شعب، في معازل، بلا حقوق جمعية سياسية وتاريخية.
الثالثة، فك الارتباط العربي بقضية فلسطين، وتطبيع علاقة إسرائيل بالأنظمة، مع تجاوز للفلسطينيين وحقوقهم.
الرابعة، تكريس إسرائيل كفاعل وكشريك في العالم العربي، ولو كانت للفلسطينيين بمثابة دولة استعمارية ـ عنصرية («أبارثايد»).
ما يفترض إدراكه، بدل إنكاره:
أولاً، أن هذه الخطة، أو هذه الترتيبات، كسابقاتها من المشاريع الشرق أوسطية، تغدو أمرا واقعاً مهما كان الموقف منها، رفضا أو قبولاً، بهذا القدر أو ذاك، بحكم موازين القوى، وثقل الأطراف الحاملة لها، وبواقع ضعف الفلسطينيين وتشتّتهم وتخلف إدارتهم لأحوالهم.
ثانيا، يفترض أن التجربة علمت المعنيين بأن الرفض والتحليل والتوصيف لا تجدي وحدها إذ المفروض الخروج من قواعد اللعب السائدة، أو المعتادة، التي أوصلت الفلسطينيين إلى هذا الوضع، وضمنها اتفاق أوسلو المجحف (1993).
ثالثا، السؤال الذي يلح، في هذا الإطار، أنه إذا كان الفلسطينيون لم يستطيعوا شيئا إزاء القوى الخارجية، بدليل استمرار قضية اللاجئين منذ 70 عاما، وبقاء القدس محتلة منذ أكثر من نصف قرن، وإخضاع غزة للحصار منذ 12 عاما، واستشراء المستوطنات في الضفة، فإنهم لم يفعلوا ما يجب فعله لأنفسهم، أيضا، لبناء مجتمعاتهم وكياناتهم وتطوير حركتهم الوطنية، لذا فكيف سيواجهون السياسات الأمريكية والإسرائيلية في هذه الحال من الترهل والتآكل والاختلاف والانقسام والفساد وتخلف الإدارة؟
الفكرة هنا أنه إذا كان الفلسطينيون لا يملكون القوة أو الإمكانيات لصد الترتيبات الخارجية التي تستهدف قضيتهم وحقوقهم فإنهم يمتلكون القوة والإمكانيات التي تمكنهم من تغيير قواعد اللعبة، أو على الأقل التي تمكنهم من إيجاد الوقائع التي تراكم من أوراق القوة لديهم، إن لم يكن راهنا فمستقبلا، على أساس العمل في الاتجاهات المهمة الآتية:
أولاً، مقابل تفكيك القضية والشعب ينبغي التمسّك بوحدة الشعب والقضية والرواية، وانتهاج رؤى وكيانات وأشكال كفاحية وعلاقات وطنية تقوم على أساس هذا المفهوم.
ثانياً، مقابل مصارعة إسرائيل لشعب فلسطين حتى على جزء من الأرض (الضفة مثلا) وعلى جزء من الحقوق، يفترض صوغ رؤى تستعيد التطابق بين الشعب والقضية والأرض، وتاليا مصارعة إسرائيل على كل الحقوق، الفردية والجمعية والوطنية.
ثالثاً، التصرف باعتبار أن للعملية الوطنية الفلسطينية وجهين:
– مقاومة إسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية.
– بناء الكيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعب فلسطين، وتعزيز إجماعاته الوطنية، وتنمية موارده البشرية، وتعزيز صموده في الداخل.
رابعا، اعتماد أشكال النضال التي تعزز صمود شعبنا في فلسطين (48 ـ الضفة ـ غزة)، سيما المقاومة الشعبية، لا التسهيل لإسرائيل زعزعة ذلك الوجود، بشن الاعتداءات عليه بين فترة وأخرى.
أخيرا قد لا يستطيع الفلسطينيون شيئا كبيرا في هذه الظروف العربية والدولية، القاهرة والمختلّة والمعقدة، لكنهم يستطيعون تقليل الأكلاف والمخاطر، وذلك يتوقف على حسن إدراكهم لواقعهم ولمحيطهم، وطرق تدبّرهم لإعادة بناء أوضاعهم؛ في انتظار ظروف مواتية لتطوير كفاحهم واستعادة حقوقهم.