رسائل النبي إلى الملوك والزعماء – «رسالة وكتاب النبي إلى «قبيلة كلب».. «قصائدهم ثروة أدبية إسلامية»

إعـــــــداد: مـــــــيرفت عزت –

يذكر الدكتور مصطفى الشكعة، في كتاب «البيان المحمدي»، أن القبائل العربية قد دخلت الإسلام زرافات ووحدانا، وقد تسابقت ملوكهم ورؤساؤهم ونوابهم إلى المدينة المنورة يبايعون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويشرفون بمجالسته وصحبته والتزود من تعاليم الإسلام على يديه الشريفتين، وكانت هذه الوفود يتسابق خطباؤها وشعراؤها ورؤساؤها في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم وتسجيل شمائله، وكانوا إذا ما قضوا مدة بقائهم بالمدينة، وعزموا على العودة إلى ديارهم طلبوا أن يزودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب إلى أقوامهم لتثبيت مكانتهم إن كانوا ملوكًا أو أو أعيانًا أو زعماء. وقد حفلت كتب السيرة بأخبار هذه الوفود في وفرة وإفاضة بحيث شكلت خطبهم وقصائدهم ثروة أدبية إسلامية.
وقد توج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناصية كل وفد بكتاب منه، ليرفع من شأنها وقدرها، ومنهم قبيلة كلب، وكانت تسكن دومة الجندل وما حولها، فقدم وفد بنى عليم- وهم بطن من كلب- ومعهم قطن بن حارثة العليمي وألقى خطبته نيابة عنهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استهلها بأبيات من الشعر في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيها:

رأيتك يا خير البرية كلها
نبت نضارًا في الأرومة من كعب
أغر كـأن البدر سنة وجهه
إذا ما بدا للناس في حلل العصب
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها
وربيت اليتامى في السقاية والجدب

يضيف الدكتور مصطفى الشكعة، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يحمل فحواه ما تضمنه الكتاب الذي حمله وائل بن حجر، من حيث العبادات المفروضة من صلاة وزكاة وتفصيلات الصدقات التي عليهم تأديتها، ومثلما أملى الرسول صلى الله عليه وسلم كتبه لأهل حضرموت بلغتهم ولهجتم، فقد سلك صلى الله عليه وسلم النهج نفسه مع قبيلة كلب ونواحي دومة الجندل من حيث اللغة واللهجة والألفاظ ومسمياتها. وهي إن بدت حوشية غير مأنوسة عند غيرهم فهي عندهم تحمل سمت البلاغة وغاية السلاسة. وهذا هو نص كتاب رسول الله لكلب وأحلافها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لعمائر كلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام من غيرهم، مع قطن بن حارثة العليمي، بإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة بحقها، في شدة عقدها، ووفاء عهدها، بمحضر من شهود المسلمين: سعد بن عبادة، وعبدالله بن أنيس، ودحية بن خليفة الكلبي. عليهم في الهمولة الرّاعية البساط الظؤار، في كل خمسين ناقة، غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية، في الشوي الوريّ مسنة حامل، أو حائل، وفيما سقى الجدول من العين المعيّن العشر من ثمرها، ومما أخرجت أرضها. وفي العذي شطره، يقسمه الأمين، لا تُزاد عليهم وظيفة، ولا تُفرّق. شهد الله على ذلك ورسوله. وكتب ثابت بن قيس بن شماس».
ويقصد بـ«لبني جناب من كلب» بنو جناب بطن من كنانة، وهم بنو جناب بن هبل بن عبدالله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة.. ثور بن كلب بن وبرة . وأحلافهم، من غير بني جناب. ومن ظاهرهم، من غيرهم، من محمد رسول الله لحارثة وحصن ابني قطن لأهل العراق من بني خباب .
والتمسك بالإيمان، شرط لم يعهد في الوثائق التأمينية ذكره، والمراد ظاهرا جعل الإيمان ملاك العمل في أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم في الموادة والتناصر والموالاة، من أمسك به وتمسك به وتماسك وامتسك واستمسك كلها بمعنى اعتصم، كما قال سبحانه وتعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران: 103) وإذا كان ذلك ملاك الأمر أمن من التفرق والتشتت، وكل آفة فردية واجتماعية .والوفاء بالعهد: يمكن أن يكون المراد من الشرط الوفاء بعهودهم مطلقا مع الله، ومع الناس فيما بينهم فيشمل هذا العهد أيضا.
الهاملة: والهمولة الراعية، أي السائمة وسيأتي الكلام فيها أي: في كل خمس من الإبل السائمة شاة، فهو بيان لنصب الإبل إلى خمس وعشرين دون الباقي اختصارا في الكتاب، والتفصيل عند عماله والمبلغين من قبله.
غير ذات عوار، العوار كرمان: القذى والعوار مثلثة: الخرق والشق في الثوب والعيب يقال سلعة ذات عوار أي: ذات عيب.
ولحمولة المائرة، الحمولة: الإبل التي تحمل، وكل ما احتمل عليه القوم من بعير وحمار ونحوه كانت عليه أثقال أم لم تكن.. والمائرة يعني الإبل التي تحتمل الميرة، قال ابن الأثير: فيه: والحمولة المائرة لهم لاغية يعني الإبل التي تحتمل عليها الميرة، وهي الطعام ونحوه مما يجلب للبيع ولا يؤخذ منها زكاة لأنها عوامل. لاغية، قال ابن الأثير: وفيه: والحمولة المائرة لهم لاغية أي: ملغاة لا تعد عليهم ولا يلزمون لها صدقة. والسقي الرواء: السقي بالكسر والسقية النخل الذي يسقى بالدوالي وفي القاموس: كل ما يسقى نخلا أو غيره الرواء بالفتح الماء العذب والماء الكثير المروي وبالكسر: حبل تشد به الأمتعة.
العذي بالياء: اسم للموضع الذي ينبت في الصيف والشتاء من غير نبع ماء والعذي -بالتسكين- الزرع الذي لا يسقى إلا بماء المطر لبعده من المياه، وقيل: العذي من النخيل ما سقته السماء والبعل ما شرب بعروقه من عيون الأرض من غير سماء ولا سقى.