نفحات إيمانية: حقوق الأولاد .. اختيار الأم الصالحة والاسم الحسن

حمادة السعيد –

الأسرة هي أساس المجتمع؛ لذلك اهتم الإسلام ببنائها أشد الاهتمام ووضع لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطوات تسير عليها وحقوقا تحترم من جميع أعضائها.

ولما كانت الأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية لبناء المجتمع الصالح الذي ينعم بنور الإيمان فقد وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- شروطا وبين ضوابط لاختيار الزوجين وبعد الزواج تأتي مجموعة من الحقوق ومنها حقوق الأبناء على الآباء ومن هذه الحقوق اختيار الأم الصالحة والاسم الحسن الذي لا يعيّر به الابن أو الابنة.
يقول الدكتور محمد الشنقيطي في «فقه الأسرة» فمن مسؤولية الوالدين عن الولد قبل وجوده، فإنه يجب على الوالد ويجب على الوالدة أن يحسنا الاختيار، فيختارُ الأب لأولاده أماً صالحة ترعى حقوقهم وتقوم على شؤونهم، أمّا أمينة تحفظ ولا تُضيع، وعلى الأم أيضاً أن تختار زوجاً صالحاً يحفظ أولادها، ويقوم على تربيتهم، فاختيار الزوج والزوجة حقٌ من حقوق الولد؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لدينها وجمالها ومالها وحسبها، فاظفر بذات الدين تربت يداك). اظفر بذات الدين حتى ترعى الذرية، وتقوم على إصلاحها وتربيتها على نهج ربها، اظفر بذات الدين فإنها غنيمة وفوز، وكذلك المرأة تختار الزوج الصالح الذي ترضى دينه وأمانته وخلقه، وإذا أساء الرجل اختيار زوجته، ونظر إلى حظه العاجل من جمالٍ ومال، ونسي حقوق أولاده فإن الله سيحاسبه؛ حتى ذكر بعض العلماء: أن الزوج لو اختار الزوجة وعلم أنها لا تحسن إلى ذريته من بعده فإن الله يحمِّلهُ الإثم والوزر لما يكون منها من إساءةٍ إلى ولده، وكذلك المرأة إذا لم تحسن الاختيار لزوجها، وعلمتْ أنه زوجٌ يُضيع حقوق أولاده، ففرطت وتساهلت وضيعت، فإن الله يحاسبها عما يكون من إثم ذلك الزوج وأذيته لأولادها.
فحقٌ على الوالدين أن يحسنا الاختيار، وأن يكون المنبت الطيب هو الذي يبحث عنه الإنسان، فالناس معادن، كما أخبر سيد البشر صلى الله عليه وسلم، فيهم المعدن الكريم الذي طابت أصوله، وإذا طابت الأصول طابت الفروع.
ويضيف الشنقيطي: أن الأصول الطيبات لها فروعٌ زاكية والله تعالى يقول: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) آل عمران:34 ، فإذا كان معدن المرأة كريما من بيت علمٍ أو دين أو عُرِفَ بالصلاح والاستقامة فإنه نِعم المعدن، ونِعْمَ الأمينة التي ستحفظ الأولاد والذُرية في الغالب، وكذلك الرجل إذا كان مَعدنُه طيباً فإنه سيكون حافظاً لأولاده، ولا يعني هذا: أن المرأة إذا ابتليت بزوجٍ مقصِّر، أنها تيأس بل ينبغي عليها أن تحاول، وأن تستعين بالله في إصلاح ذريتها وأولادها؛ فإن الله عز وجل يقول: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) الأنعام:95 فربما يكون الزوج غير صالح، ولكن الله يخرج منه ذريةً صالحة، وقد يكون الزوج صالحاً ويخرج الله منه ذريةً غير صالحة، فقد أخرج الله من أبي جهل عكرمة، وهو من خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقائدٌ من قوّاد المسلمين، وعَظُمَ بلاؤه في الدين، وقد يخرج الميت من الحي كما في ولد نوح عليه السلام.
وكذلك من حقوق الأبناء على الآباء أن يختاروا لهم أسماء حسنة طيبة يقول ابن قيم الجوزية في كتابه «تحفة المودود بأحكام المولود» فيما يستحب من الأسماء وما يكره منها: عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود بإسناد حسن وعن ابن عمر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن» رواه مسلم في صحيحه وعن جابر قال ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم فقلنا لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال «سم ابنك عبد الرحمن» متفق عليه.
وعن أبي وهب الجشمي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة».
قال أبو محمد بن حزم اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله كعبد الله وعبد الرحمن وما أشبه ذلك فقد اختلف الفقهاء في أحب الأسماء إلى الله فقال الجمهور أحبها إليه عبدالله وعبد الرحمن قال سعيد بن المسيب أحب الأسماء إليه أسماء الأنبياء والحديث الصحيح يدل على أن أحب الأسماء إليه عبد الله وعبدالرحمن. وأن الأبوين إذا تنازعا في تسمية الولد فهي للأب والأحاديث الواردة تدل على ذلك كما أنه يدعى لأبيه لا لأمه فيقال فلان ابن فلان قال تعالى {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} الأحزاب 5؛ والولد يتبع أمه في الحرية والرق ويتبع أباه في النسب والتسمية تعريف النسب والمنسوب ويتبع في الدين خير أبويه دينا فالتعريف كالتعليم والعقيقة وذلك إلى الأب لا إلى الأم وتسمية الرجل ابنه كتسمية غلامه.
ويضيف العلامة الشنقيطي قائلا:وحق التسمية، أن يختار له أفضل الأسماء وأكرمها، لأن الأسماء تشحذ الهِمم على التأسي بالقدوة؛ ولذلك قال بعض العلماء خير ما يُختار الأسماء الصالحة، وأسماء الأنبياء والعلماء والفضلاء؛ لأنها تشحذ هِمّة المسمّى إلى أن يقتدي وأن يتأسى، قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: (وُلِدَ لي الليلة ابناً سمّيته على اسم أبي إبراهيم) ، فسمّى إبراهيم على اسم أبيه؛ ولذلك قالوا: إنه يراعى في الاسم أن يكون اسماً صالحاً، ولا يجوز للوالدين أن يختارا الاسم المحرم، وهو الاسم الذي يكون بالعبودية لغير الله كعبد العزى، ونحو ذلك من الأسماء كعبد النبي، ونحو ذلك من الأسماء المحرمة، التي يُعبّد فيها البشر للبشر، وإنما ينبغي أن يُعبّد العباد لله جل جلاله.
كذلك ينبغي أن يجنب الولد الأسماء القبيحة، والأسماء المذمومة، والممقوتة، والمستوحش منها، حتى لا يكون في ذلك إساءة من الوالدين للولد، قالوا: من حقه أن يُختار له أفضل الأسماء، وأحب الأسماء إلى الله ما كان بالعبودية لله كعبد الله، وعبد الرحمن، ونحو ذلك من الأسماء التي تكون مُصدّرة بالعبودية لله عز وجل.
وينبغي أن يُجنبه كذلك ما ذكره العلماء من الأسماء المكروهة، التي فيها شيء من الدّلال والميُوعة التي لا تتناسب مع خشونة الرجل، والعكس أيضاً فإن البنت يُختار لها الاسم الذي يتناسب معها دون أن يكون فيه تشبه بالرجال، وقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمّى بنته: عاصية، كما ذكر أبو داود وغيّر النبي صلى الله عليه وسلم اسمها إلى جميلة، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام في أكثر من حديث أنه غيّر الأسماء القبيحة، فمن حق الولد على والديه إحسان الاسم ويكون اختيار ذلك للوالد، ولا حرج أن تختار الأم لابنها وابنتها، لا حرج في ذلك ولا بأس إذا اصطلحا بالمعروف.