خميس بن راشد بن سعيد العبري (ت: 1271هـ)

إدريس بن بابا باحامد –

لا ريب أن لكل أمة من الأمم رجالا وعلماء يستنيرون بهم إذا احلولكت الظلمات، وتشعبت السبل، وتنوعت المسالك، ليروا بهم النور، فيكونوا مشاعل علم وهدى، ومنارات فكر واقتداء، والأهم من ذلك أن تجد رجالا شهد لهم التاريخ برسوخ القدم في القيادة والفكر، لا في محيطهم فحسب بل ذاع صيْتهُم ليشمل العالم أجمع، لما تميّزوا به من فكر عالمي، له أصول ومبادئ، ولا يتسنى لنا الحكم بذلك إلا إذا غصنا في غمار تراثهم العلمي، أو على الأقل مؤلفاتهم العلمية، وإن شئت فقل في آثارهم وإن كانت نزرًا يسيرًا، إذ العبرة بالأثر لا بالكم والكثرة، ومن علماء الأمة المشهورين بذلك، علماء عمان، لذا حاولت تخصيص بعض الحديث عن بعض الشخصيات العمانية التي تميزت بأفكار عالمية دعت إلى ذلك تحقيقًا وتحريضًا وبيان أهمية، وهذا من شأنه أن يقرِّب بين الأمم والشعوب، ويؤكد الدور البارز للعلماء المسلمين عمومًا والعمانيين خصوصًا في بث روح التآلف والتكاتف والتعاون، ونبذ العنف والكراهية، وتأكيد معالم الحرية ونبذ العبودية، والدعوة إلى تحقيق التعايش السلمي وإن اختلفت الأجناس والأعراق، والعقائد والأفكار، وسوف يكون الحديث عن علماء من القرون الهجرية الأولى وغيرها إلى أن نصل إلى علماء في وقتنا المعاصر، وهذا لنؤكد أن المنهج السلمي التعايشي سلسلة تميز بها هؤلاء العلماء ولم تنقطع أبدا، يتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل، فما على هذه الأجيال إلا الحفاظ عليها، والتأكيد على ما جاء في هذه الأفكار من قيم. وقد ارتأيت أن تكون هذه السلسلة منضوية تحت مسمى (عالم وفكرة).
«هو الشيخ خميس بن راشد، الملقب ذو الغبراء، أو الغبيراء. قيل لقب بذلك نسبة إلى عمان أو دلالة على ما اشتهر به من تواضع وقناعة وزهد، وله في ذلك قصص وحكايات. ولد ببلدة الحمراء من داخلية عمان، سنة 1180 أو 1190هـ، ونشأ بها واجتهد في طلب العلم. انتقل إلى بلدة الشريجة من جبل بني ريام وتزوج بها. تتلمذ على يد أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي، وابنه الشيخ ناصر، والشيخ عامر العبادي، وكانت له رحلات إلى نزوى لطلب العلم. من تلاميذه ولده الشيخ ماجد، وكان معاصرًا للمحقق سعيد بن خلفان الخليلي. ألف كتابًا سماه شفاء القلوب من داء الكروب على نمط الكشكول. جمع فيه مختاراته من الفقه والنحو والصرف والطب والفلك والسلوك والقصص والنوادر والشعر والسير والتاريخ، وجعل له فهارس، ونسخه ثلاث مرات، كلّ نسخة أوسع من التي قبلها، استفاد منها الشيخ السالمي في كتاباته ولا سيما في التحفة. وللشيخ شعر ذاتي جميل يمتاز بصدق عاطفته ورقة إحساسه، رغم قلته». (محمد ناصر، سلطان الشيباني، معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، ترجمة: 306).
فكرته: «ومن سيرة العاقل يعطي الناس ولا يسأل هو الخلق، ويدين المسلمين ولا يعمد هو إلى الدين….ويصلح بين الخصمين ولا يخاصم أحدا…. ويتعلم ولا يحب أن يكون مفتيا ويصمت ولا يتكلّم مع المتحدثين، إلا إذا دعاه أحد أجابه بمهلة لا بعجلة، يصرف أمور المخادع من قبل أن يخدعه، ينظر بعقله لا بعينه من كثرة قياسه ويشاور في أكثر أموره، ومهما رأى الصواب عمل به». (شفاء القلوب من داء الكروب، 1، 180، 181).يشير الشيخ في هذه الفكرة التي ينبغي أن تتخذ كدستور إنساني إلى أمور تحقق للمرء السعادة وتجنبه الوقوع في التعاسة، فذكر أن العاقل هو الذي يبتعد عن الديون، وعليه أن يكون هو الدائن لا المدين، وفي هذا الكلام إشارة نفيسة من الشيخ قد يفهمها البعض خطأ، فقد يفهم البعض أن الشيخ ضد التعامل بالدين أو أنه لا يرى ذلك من شيم العقلاء، فهذا فيما يبدو لي ليس هو مقصود الشيخ وإنما مقصوده والله أعلم أن على المرء أن يكون إيجابيًا هو الدائن ساعيا هو إلى المساعدة متى ما احتيج إليه، فلو عمل كل إنسان على أن يكون هو الدائن لا المدين لما وجدنا ناسًا مدينين أصلًا، على أنه في كثير من الأحيان يقع المرء في ديون أجبرته الظروف عليها، فمن وقع في ذلك عليه أن يبطن في سريرته الأداء فور توفّر ذلك عنده، فليس الدين عيبًا إن نوى المرء الأداء، ولعل هذا مصداق كلام نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه)، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدين المحمود هو الذي يكون في أمور ضرورية واجبة، لا كما نسمع في كثير من الأحيان من وقوع بعض الناس في ديون لأمور تعد من ترف العيش أو التباهي أو المنافسة، ولعل هذا هو مقصود من ذم بعض أنواع الديون، والحق أن في كلام الشيخ لفتة إنسانية رائعة، وهي الدعوة إلى المساعدة والتكاتف، بين أفراد المجتمعات الإنسانية حتى لا يقع الناس فريسة لهذه الديون، فمتى ما انعدم التكاتف والتعاطف والتعاون في مجتمع رأيت العجب العجاب فيه، ومما دعا الشيخ إليه الصلح وعدم المخاصمة، والتعلم وعدم التجرؤ على الفتوى، فإن كان ولا بد أن قلّد واجب الفتوى أجاب على مهل، يتروى في السؤال قبل الجواب، ويتحقق من المعلومة قبل إبدائها، ويسدد ويقارب، ويبذل جهده ليصيب الحق، وعليه أن يصرف أمور المخادع من قبل أن يخدعه، ناظرا بعقله لا بعينه من كثرة قياسه ويشاور في أكثر أموره، ومهما رأى الصواب عمل به.