الجمال عفة

حمود بن عامر الصوافي –

تبقى المرأة المسلمة تاجًا على رؤوس المؤمنين يحبونها ويرغبون فيها ويذكرون خصالها ولا ريب أن المرأة العربية المسلمة قد تزينت بحشمتها ووقارها وتقواها وورعها وعد الحجاب مظهرًا من مظاهر الرقي والعفة والمجد والسؤدد والمحافظة على الهوية وروح الإسلام التي صنعت من المرأة جوهرة لا تمس ولا يمكن أن تخدش أو تنتهك.
ولقد حافظت المجتمعات الإسلامية على المرأة وخاضوا في سبيلها الحروب والمهالك من أجل صون هذه الجوهرة من ذئاب البشر ولئامهم ولم يألوا جهدًا في ذلك حتى أولئك الذين اتصفوا بالشدة والعنف والقتل لم يعجبهم أن يُتشبب بأخواتهم أو نسائهم بل كانوا يقسمون الأقسام الغلاظ ليقطعن لسان من يخترق تلك المحظورات وينال من أقربائه أو أهل بيته.
وها هو الحجاج المتغطرس للدماء يتعقب أولئك الذين شببوا بأخته ويرفع عقيرته في وجوههم ويلاحقهم ليقطع ألسنتهم ويضع حدا لمن ينال في شرفه وأهل بيته.
وقد بين الحجاج مدى التزام أخته باللباس الشريف والعبادة الجليلة لذلك وصفها بالعفة والورع فأكرم بها من امرأة وأجمل بتصرف الحجاج في هذه الحادثة من فضح كذب الشاعر وتفنيد قوله ووضع حد لتغزله بأخته فمما يروى» أن النميري كان شاعر غزل، يشبب بزينب بنت يوسف بن الحكم أخت الحجاج بن يوسف، فلمّا ولي الحجاج الحجاز هرب النميري إلى عبدالملك بن مروان، فاستجار به، فقال له عبدالملك: ما قلت في زينب؟ فأنشده، فلما انتهى إلى قوله:

فلما رأت ركب النميري أعرضت
وكن من أن يلقينه حذرات

قال له عبدالملك: وما كان ركبك يا نميري؟ قال: أربعة أحمرة كنت أجلب عليها القطران، وثلاثة أحمرة صحبتي تحمل البعر. فضحك عبدالملك، حتى استغرب، وقال: لقد عظم أمرك وأمر ركبك.
وكتب إلى الحجاج أن لا سبيل له عليه. فلما أتاه الكتاب، وضعه، ولم يقرأه. ثم أقبل على يزيد بن أبي مسلم، وقال: أنا بريء من بيعة أمير المؤمنين، لئن لم ينشدني ما قال في زينب لآتين على نفسه، ولئن أنشدني لأعفونّ عنه، وهو إذا أنشدني آمن. فقال له يزيد: ويلك! أنشده، فأنشده:

تضوع مسكًا بطن نعمان أن مشت به زينب في نسوة خفرات
قال: فقال: كذبت، والله ما كانت تتعطر إذا خرجت من منزلها. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:

ولما رأت ركب النميري راعها
وكن من أن يلقينه حذرات

فقال له: حق لها أن ترتاع؛ لأنها من نسوة خفرات. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:

مررن بفخ رائحات عشية
يلبين للرحمن معتمرات

فقال: صدقت، لقد كانت صوامة حجاجة ما علمتها. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:

يخمّرن أطراف البنان من التقى
ويخرجن جنح الليل معتجرات

قال له: صدقت، هكذا كانت تفعل، وهكذا تفعل المرأة الحرة الصالحة المسلمة. ثم قال له: ويحك! إني أرى ارتياعك ارتياع مريب، وقولك قول بريء، وقد امتثلت فيك أمر أمير المؤمنين. ولم يعرض له».