فـوز مسـتفـز

آن بنت سعيد الكندية –
Twitter : @AnnAlkindi –

تاريخ وشعر محبوك بفن روائي عنصره الأول المرأة «الإنسان العماني» حياته وأحلامه، طموحه وانكساراته في قالب درامي مثير وأزمنة متقنة الاختيار. كسرت جوخة الحارثية تابوهات اجتماعية في روايتها «سيدات القمر» الغنية بالسرد التاريخي العميق بأبعاده السياسية والاقتصادية. لم تترك الحارثية حدثا تاريخا مهما إلا وعكسته في تفاصيل الحياة الدقيقة، لم تبقِ ولم تذر لا حرب الجبل ولا الشيوعية ولا تجار الأسلحة ولا أبيات نونية البهلاني أو غزل قيس ليلي وأشعار المتنبي والرومي، ليتقوّل عليها إنه فوز غير مستحق!!
لست ناقدة أدبية لكني قارئة للأدب الروائي بين الفينة والأخرى وكتبت سابقا قراءاتي للكاتبة التركية أليف شافاك حبا للفهم ورغبة في الاستطلاع، ولا أجد الحارثية بمستوى أقل من الكُتّاب الذين قرأت لهم إن لم تكن تضاهيهم جرأة وعمقا معرفيا وسردا شيقا. فرحت بفوزها بالمان بوكر العالمية قبل أن اقرأ روايتها، رأيت فيه إنجازا عمانيا عالميا لأستاذة الأدب العربي خريجة إدنبرة إحدى أعرق الجامعات البريطانية.
قرأت كل ما كتب عنها في الصحافة العالمية والعربية لأتذكر حقيقة تتكرر معي عند نشر مقالاتي باللغتين العربية والانجليزية لأجد نفسي أمام جمهورين تختلف ردود أفعالهما حد التناقض في بعض الأحيان. ففي حين أجد جزءا من الجمهور القارئ بالعربية يعجب بكتاباتي علنا وبعضهم سرا إذ يصعب عليه المجاهرة بتأييده لتحليل اقتصادي مدعم بأرقام رسمية، وجزء آخر يهاجم ويتساءل عن ما هي دوافعي؟!، ومن ورائي؟، ومن يساندني؟، وما بين جمهور قارئ باللغة الإنجليزية الذي ما يلبث أن يقرأ لي إلا ويبدي رغبته في التعاون معي في إجراء دراسة أو للدخول في نقاش. أشفقت كثيرا على من تحدث عن الرواية ويحسب نفسه ناقدا أدبيا ومحبا لوطنه ومزايدا على وطنية الآخرين متعاليا عن فهم ما هي الرواية في الأصل؟.
تعجبت من سطحية من تعذّر عليه فهم التعريف البسيط للراوية في أنها سرد نثري يصف شخصيات خيالية أو واقعية. تناولت الحارثية موضوع الرق ـ والذي رعته وأنهته الدول العظمى ـ من جانب إنساني وعبر الرجوع إلى مراجع تاريخية، فلمَ الاستهجان؟!. وأي مثالية مصطنعة تلك التي تدّعي أن الروايات التي تتحدث عن حياة الشعوب من المعيب أن تتطرق إلى الجنس وهو تفصيل من تفاصيل الحياة الاعتيادية للبشر؟!. أظن آن لمن لديه حساسية مفرطة أن يستوقف نفسه؟!.
وأقول لمن يتعامى عن رؤية سطوع الشمس نحن جيل السبعينات دخلنا العقد الرابع من عمرنا لم نعد بنات صغيرات بل نساء وأمهات، وخبيرات في مجالات شتى دون استثناء، تربينا على أيدي أمهات صابرات جسدن معاني الإيثار، شخصيات قد لا تتكرر تماما كما وصفتهن الحارثية في لقائها بقناة الجزيرة. رأين كيف تبدلت الحياة بدعم جلالة السلطان للمرأة بعد حكمه مباشرة فدفعن بكل قوتهن حتى لا تفوت بناتهن ما فاتهن من علم ومكانة مستحقة. وسيأتي من بعدنا جيل الثمانينات الذي سيبهرنا حتما بنتاج معرفي بمستوى عالمي.
ليت تغيير حياة الشعوب يتم بسلاسة كما تنتقل الحارثية في روايتها بين أزمنة القرون التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين كنا وفرنا على أنفسنا الكثير من الحواجز الاجتماعية وتقدمنا بسرعة أسرع من خرق الصوت. أعجبني الاستفزاز الذي أحدثه فوز «سيدات القمر» فليست الصعاب وحدها من تظهر المواقف إنما أيضا للنجاح أعداء. وللاستفزاز حكمة إن تم استغلاله، فهل استفزتنا الرواية لمراجعة أنفسنا؟! فكيف للشعوب أن تتقدم إن لم تراجع نفسها بعد مرورها بطفرة النفط والغاز في نقلة أسطورية من شظف العيش إلى بحبوحته. ما هي القيم التي فقدتها وتحتاجها اليوم؟
وجدت الباحثة والمترجمة مارلين بوت Marilyn Booth صيدا ثمينا في رواية الحارثية فقائمة ترجماتها تعكس حرص اختيارها. قنصت خريجة هارفرد، وأستاذة الأدب العربي في جامعة أكسفورد كنزا طال اختباؤه ليس منذ تسع سنوات فقط وقت صدور الرواية إنما سر من أسرار بلدان الشرق الأوسط لم نعرف ثمنه إلى أن أزاحت هي ركام تردد الإيمان بالقدرات العمانية. مارلين ليست باحثة عادية ذكرت في إحدى محاضراتها أنها تتفقد أرصفة شوارع القاهرة باحثة عن الإصدارات المنسية. رأت في «سيدات القمر» النابعة من تلك الدولة التي في أقصى الشرق الأوسط صاحبة الحكم السلطاني العريق الهادئة المعروفة بمواقفها الدولية المتزنة موروثا شعبيا غنيا ممزوجا مزجا محترفا بين الكلمات فاستفزها أن لا يصل إلى العالمية.
جميل هذا الاستفزاز الذي جعلني أتساءل ألم يأنِ الأوان لندّرس تاريخنا بمنهج جديد وطريقة مختلفة، فالولاء للوطن يُبنى على اليقين المعرفي بعراقة التاريخ العماني، ألم يحنِ الوقت حتى يعرف هذا الجيل أن بحبوحة اليوم أتت بعد صراعات وشقاء، وأن لكل الدول تاريخا تختلف معه الآراء وتتفق. الولاء لا يُبنى على التذكير بشظف الماضي دون عمق معرفي، فكيف للعماني ابن اليوم وإنسان الغد أن يدافع عن تاريخه دون أن يُدّعم منهجه الدراسي بمقتطفات تاريخية مهمة آن أوان تدريسها. التناول الإعلامي الجيد لهذه المقتطفات التاريخية الذي بدأ يبرز مؤخرا لا يكفي وحده لترسيخ المعلومة لدى الأجيال. هناك أستاذة وباحثون تاريخيون عمانيون متمكنون يمكنهم أن يضعوا منهجا تدريسيا جديدا يغني العماني عن البحث في مصادر قد لا تنصف أجداده، وتنقذه من عواقب تسطيح المعلومة. أخيرا أقول سيري في درب المجد يا جوخة الحارثية فالكثير منه ما زال في انتظارك فنارنجتك الحائزة على جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في عام 2016 ستحلق هي الأخرى في العالم.